‏إظهار الرسائل ذات التسميات من تاريخ المسلمين. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات من تاريخ المسلمين. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 30 أكتوبر 2008

نهاية قصة صلاح الدين

إن من فضل الله تبارك وتعالى علينا أن جعل دعاء المؤمن له موجب للإستجابة فما أحوج أن يتوجه كل منا إلى الله عز وجل بالدعاء فى ظل هذا القدر الكبير من الهموم والمشاكل التى تثقل كاهل الفرد والأمة ولذا وجب علينا الحرص على دوام علاقتنا ببارئنا واللجوء إليه فى كل وقت ومكان ولن يجد الإنسان ما يطمئن قلبه ويغشيه بالسكينة والرحمة أفضل من التضرع إلى الله العلى القدير القائل فى محكم آياته : " إنهم كانوا يسارعون فى الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا " ] الأنبياء 21 : 90 [ .

إذا كان هذا الجزء مخصصا للحديث على ختام سيرة صلاح الدين الأيوبى فهى بلا شك مرتبطة ببدايتها والأهم من ذلك أن خواتيم أعمال الإنسان تشير إلى مدى علاقته بالله سبحانه وتعالى ولقد عانى صلاح الدين كثيرا طيلة العامين اللذين فرض فيهما الحصار على عكا وطال الحصار وبدأ سقوط عكا على وشك الحدوث رغم أن صلاح الدين فعل كل ما بإمكانه حتى لا تقع عكا تحت أيدى الصليبيين وحتى يشهد الله له بوقفته هذه يوم القيامة وكان القاضى الفاضل قد بعث إلى صلاح الدين برسالة يشرح له فيها أسباب طول الحصار المفروض على عكا إذ يقول : " إن سبب هذا التطويل فى الحصار هو كثرة الذنوب وإرتكاب المعاصى بين الناس فإن الله لا ينال ما عنده إلا بطاعته ولا يفرج الشدائد إلا بالرجوع إليه والإمتثال لأمره وكيف لا يطول الحصار والمعاصى فى كل مكان فاشية ؟ و قد صعد إلى الله منها ما يتوقع بعده الاستعاذة منها " .

وكما جاء بالرسالة فإن الأمر المفروغ منه هو أن أحوال الفرد والأمة من سعادة أو شقاء مرتبطة إرتباطا وثيقا بتحرى تقوى الله سبحانه وتعالى أو البعد عنه والعياذ بالله وإذا كثرت المعاصى حل غضب الله كما حدث أيام حصار الصليبيين لعكا لمدة سنتين وقد كتب القاضى الفاضل فى مذكراته الجمل التالية : " إن ما أوتينا من قبل أنفسنا ولو صدقنا الله لعجّل الله عواقب صدقنا ولو أطعناه لما عاقبنا بعدونا ولو فعلنا ما نقدر عليه من أمره لفعل لنا ما لا نقدر عليه إلا به فلا يختصم أحدا إلا نفسه وعمله ولا يرجو إلا ربه " وفى الواقع فإن تلك الكلمات توضح جليا أنه لا صلاح للأمة إلا بصلاح أنفسنا .
ورغم ما قام به صلاح الدين من جهد سقطت عكا فى أيدى الصليبيين ويروى القاضى الفاضل أن حزن صلاح الدين لسقوط ذلك الميناء أدى به إلى الإمتناع عن الطعام لعدة أيام مما إضطر القاضى الفاضل إلى مخاطبته قائلا : " ألا ترى أيها الأمير أن الله تبارك وتعالى قد إختارك من دون عباده المتقدمين والمتأخرين ، إختارك من بين أفراد قريبين من سلالة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إختارك ولم تكن من سلالة ملك من الملوك ولقد خصك الله تعالى بالإنتصار العظيم يوم حطين وفتح بيت المقدس وإعادة الصلاة إلى المسجد الأقصى " وأعقب كلامه السابق ببيت شعر قال فيه :

لست بملك هازم نظرائه إنك بالإسلام للشرك هازم

وفى الواقع لن يبزغ فجر الأمة إلا برجال على شاكلة صلاح الدين يعمدون إلى إنارة الدنيا بأسرها بأفعالهم وأقوالهم واضطر صلاح الدين الإنسحاب إلى الحصون الساحلية ولكن تلك الحصون بدأت تتساقط الواحد بعد الآخر حتى سقطت عسقلان التى كان يعتبرها صلاح الدين الباب البحرى لبيت المقدس وبكى صلاح الدين بكاءا شديدا وكأنه قد فقد ولدا من أولاده وليسأل كل منا نفسه إذا كان حزنه بسبب قضية الأمة مثل حزن صلاح الدين أم أنه بسبب مشكلة شخصية ؟ وعلى سبيل المثال لقد أثارنا جميعا موت الطفل الفلسطينى محمد الدرّة ولكن حزننا ما لبث أن تولى وبقى الواقع على ماهو عليه .

ولذلك لم يكن غريبا أن تقترب السفن الإنجليزية والفرنسية من بيت المقدس ومما زاد الأمر سوءا أن الأخبار وصلت بقرب مجئ القوات الألمانية بقيادة فردريك باربا روسا من شمال الشام والله سبحانه وتعالى بالمؤمنين رؤوف رحيم ورغم أن إجابة الدعاء قد تتأخر بسبب معاصى أو إبتلاءات ولكن الله لا يتخلى عن عباده المخلصين مثل صلاح الدين وبالفعل ظل القائد الورع يدعو ربه بالفرج طوال الليل وما كانت إلا أيام قليلة حتى حملت الأخبار نبأ غرق القائد الألمانى فريدريك باربا روسا فى أحد الأنهار وقد أعقب ذلك مواجهات عسكرية بين الجيش الألمانى والجيش البيزنطى أفضت إلى دحر الألمان حتى أنه لم ينج منهم سوى ألف مقاتل إنضموا إلى الأسطول الإنجليزى وإن دلت تلك الوقائع على أمر فإنما تدل على أن الله العلى القدير لا يخلف وعده بنصرة المؤمنين من أمثال صلاح الدين إذ يقول فى كتابه الكريم : " فاصبر إن وعد الله حق " ]الروم 30 :60 [ .

واضطر صلاح الدين إلى الإنسحاب إلى بيت المقدس حيث ينتظر أن تقع المعركة الفاصلة وكانت أسوار المدينة بحاجة إلى تعلية ولا تستغربن عند العلم بأن صلاح الدين كان يحمل أقفاص التراب فوق كتفيه والصخر على رأسه مثله مثل العامة وذلك لأن هدفه من الدنيا كان التحصل على مرضاة الله عز وجل ولم يكن أبدا لعرض زائل ولما كانت الأمور العسكرية متداخلة عقد صلاح الدين مجلسا للحرب ومثلما حدث أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تواجدت فئة المنتفعين من أمثال عبد الله بن أبى بن سلول الذى ترك النبى الكريم وسط المعركة يوم أحد وانصرف مع ثلثمائة من الجند وكانت هذه الفئة ممثلة أيام صلاح الدين أيضا وللأسف فإن بعض الأمراء المسلمين تشككوا فى إمكانية تحقيق النصر على القوات الإنجليزية بقيادة ريتشارد قلب الأسد والقوات الفرنسية بقيادة فيليب أغسطس حتى أنهم رأوا وجوب الإستسلام للإرادة الصليبية وكان موقفهم هذا مثالا تنطبق عليه الآية الكريمة : " وإذ يقول المنافقون والذين فى قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا " ]الأحزاب 33 :12 [.

وفى المقابل فقد ثبت الله عز وجل المخلصين من عباده مثل سيف الدين المشطوب وهو المسئول الذى قبع فى عكا طوال فترة حصارها وقد طلب هذا الرجل بشدة من صلاح الدين عدم الإستسلام للصليبيين وبالفعل إتخذ صلاح الدين قراره بالدفاع عن بيت المقدس بكل ما أوتى من قوة وما أشبه الأمس باليوم عندما صمد أبناء قرية جنين الفلسطينية داخل كيلو متر مربع واحد ولم يستطع الصهاينة دخول هذه القرية إلا على جثث شهداءها ولم يكن صمود سيف الدين المشطوب ولا أهل قرية جنين إلا تصديقا للآية الكريمة : " ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله " ] الاحزاب 33 : 22 [ .

ولكن ماذا كان موقف أمة الإسلام ؟ ألم يحن الأوان لأمتنا أن تستيقظ من غفوتها ؟ ألم يحن الوقت بعد لتنشأة جيل يستطيع إعادة العزة إلينا ؟ هذه الأسئلة موجهة للأب المسئول عن أسرته وللأم المسئولة عن تربية أبنائها ولكافة المربين فإن أمة الإسلام تنادى فهل من مستجيب ؟ .

وفى ليلة جمعة رأى القاضى الفاضل صلاح الدين مهموما للأمة فنصحه بالتضرع لله تعالى فى ليلة اليوم المبارك عند الله جل شأنه فما يرفع البلاء إلا الذى فرضه وكعادته فى اللجوء إلى بارئه أمضى صلاح الدين الليلة كلها بين دعاء ورجاء أن ياتى الله عز وجل بالفرج من عنده .

ولقد تشاور صلاح الدين مع قواده فقال لهم ( الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله: اعلموا أنكم جند الاسلام اليوم ومنعته وأنتم تعلمون أن دماء المسلمين وأموالهم وذراريهم في ذممكم معلقة والله عز وجل سائلكم يوم القيامة عنهم وأن هذا العدو ليس له من المسلمين من يلقاه عن العباد والبلاد غيركم فإن وليتم والعياذ بالله طوى البلاد وأهلك العباد وأخذ الاموال والاطفال والنساء وعبد الصليب في المساجد وعزل القرآن منها والصلاة وكان ذلك كله في ذممكم فإنكم أنتم الذين تصديتهم لهذا كله وأكلتم بيت مال المسلمين لتدفعوا عنهم عدوهم وتنصروا ضعيفهم فالمسلمون في سائر البلاد متعلقون بكم والسلام ) وكان مما أجابه به قواده أنهم سيكونون معه وسيحاربون معه ففرح بهذا فرحا شديدا .

ولقد حاصر الفرنج القدس ولكن صلاح الدين كان قد ردم الآبار التي حول مدينة القدس فاختلف الفرنج فيما بينهم أينسحبوا أم يبقوا فاستقر أمرهم على الانسحاب وتمت صولات وجولات بين صلاح الدين والفرنج ولم يمض إسبوعا حتى رحل الأسطول الفرنسى وفاوض صلاح الدين ريتشارد منفردا على أن تبقى عكا فى يد ملك إنجلترا وأن يكون هناك طريقا آمنا للحجيج من النصارى إلى بيت المقدس وأن يحج النصارى إلى كنيسة القمامة وهذا كان اسمها وفى المقابل يبقى بيت المقدس تحت سيطرة المسلمين وانسحب ريتشارد بقواته إلى إنجلترا وبقى صلاح الدين فى الشام .

وفى ذلك العام أراد صلاح الدين أن يؤدى فريضة الحج ونصحه المحيطين به إرجاء غيابه عن الشام إلى العام التالى حتى تستتب الأوضاع بعد المعارك الطاحنة التى خاضتها الأمة عند مقدم الحملة الصليبية الثالثة إلى الشرق ولم يكن أحد يعلم أن شهر صفر لعام 589 هجرية سيشهد رحيل صلاح الدين الأيوبى من الحياة الدنيا وسيشهد نهاية قصة كفاح طويلة خاضها الشاب البسيط الذى بدأ طريق الإلتزام وتعلمه من أبيه ومن عمه ومن معلمه نور الدين محمود ومن غيرهم ستنتهى سيرة الورع والصلاح والعدل والجهاد والتضحية ستنتهى سيرة المخبت لربه الساجد الراكع الباكى المتضرع كثير الصلاة كثير الصيام ستنتهى سيرة البطل الذى ظل على ظهر جواده أكثر من سبع وعشرين عاما كان همه فيها نشر الإسلام ستنتهى سيرة صلاح الدين الأيوبى ليس ذكرا وإنما أحداثا فذلك الرجل الذى لم يضحك يوما وعندما سئل " لم لا تضحك " أجاب قائلا : " كيف أضحك وديار الإسلام فى أيدى الصليبيين ؟ " ستنتهى حياة صلاح الدين الأيوبى صاحب التقوى والخوف من رب العالمين ستنتهى حياة الرجل المتسامح والمنفق ، ستنتهى قصة من أعظم القصص التى سطّرها التاريخ .

وفى أوائل شهر صفر سنة 589 مرض صلاح الدين مرضا شديدا وبدأ للناس قرب أجله حتى أن الرعية من المشرق والمغرب تجمعوا فى دمشق وجاءت إمرأة بسيطة من الحجاز عندما علمت بمرض صلاح الدين ووقفت على بابه وهى تقول للقاضى شداد : " والله الذى لا إله إلا هو فأن يختار رب العالمين ولدا من أولادى الساعة لأحب إلي من أن يموت صلاح الدين " .

فى ذات يوم جلس الأفضل بن صلاح الدين على كرسى أبيه فبكى الجميع وتأثروا لغياب تلك الشخصية وذلك الحضور وذلك الجهاد وأذكر قول الشاعر :

ولكن إذا حم القضاء على إمرئ فليس له بر يقيه ولا بحر

الموت قادم يا عباد الله ، الموت أقرب إلى المؤمن من شراك نعله ولا يسلم أحدنا أن يأتيه الموت واقفا أو جالسا نائما أو مستيقظا فماذا أعددنا لملاقاة رب العالمين ؟ لقد أعد صلاح الدين جهادا وتضحية وفتحا أعاد المسجد الأقصى من جديد وأعاد الصلاة إليه فهل هناك منا من يشعر برغبة داخله فى أن يكون صلاحا جديدا لأمتنا ؟ هذا السؤال إنما أوجهه إلى الآباء والأمهات والشباب والفتيات القائمين على التربية فى هذه الأمة فنحن فى إحتياج حقيقى لمثل هذه الشخصية المفعمة بتحرى تقوى الله جل ّ علاه .

يقول أبو يوسف : " فكنت أقرأ عليه آيات حتى إذا ما جاء قوله تعالى : " هو الله الذى لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم " ]الحشر 59 :22 [ .

وكان صلاح الدين فى سكرات الموت أفاق من سكرته وهو يقول : " أجل أجل صحيح صحيح " ولما جاء قوله تعالى : " قل هو ربي لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه متاب " ]الرعد 13 : 30[ .

دمعت عينى صلاح الدين ثم ابتسم وابيض وجهه ونطق الشهادة وقال : " بسم الله وفى سبيل الله أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله " .

وقبل الختام أقرأ عليكم أبيات من الشعر قيلت فى صلاح الدين :

جند السماء لهذا الملك أعوان***من شك فيه فهذا الفتح برهان
هذه الفتوح فتوح الأنبياء***وماله سوى الشكر بالأفعال أثمان
أضحى ملوك الفرنج الصيد فى يده صيدا***وما ضعفوا يوما وما هانوا
تسعون عاما بلاد الله تصرخ***والاسلام أنصاره صم وعميان
فالآن لبى صلاح الدين دعوته***بأمر من هو للمعوان معوان
للناصر ادخرت هذه الفتوح***وما سمت لها همم ملوك قد كانوا
إذا طوى الله ديوان العباد***فما يطوى لأجر صلاح الدين ديوان

انتهت السيرة ولكن الذكرى تبقى انتهت القصة ولكن الأثر يبقى وفى ختام هذه السلسلة لا يسعنى إلا أن أقول أن الهدف الرئيسى منها هو أن يكون القارئ صلاح الدين وأن لا يخذل الإسلام .

أستودع الله دينكم وأماناتكم وخواتيم أعمالكم وأستودع الله نفوسكم بصلاحها وقلوبكم بخشوعها وأستودع الله ذاكرة التاريخ التى أسأل الله أن تبقى فى عقولكم وقلوبكم والسلام عليكم و رحمة الله و بركاته .

هذا تلخيص لأحد دروس الدكتور ياسر نصر

أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

ما بعد نصر حطين

من الجدير بالذكر أن أفكار التسامح والعفو عند المقدرة هى أفكار بنيت عليها شريعة الإسلام وقد ظهر ذلك واضحا عندما عفى صلاح الدين الأيوبى عن الجنود الصليبيين وكان هذا التسامح بمثابة الرسالة المبعوثة إلى القارة الأوروبية بأسرها عن قيمة هذا الدين العظيم الذى عفى عن الجنود الصليبيين بعد قتلهم آلاف الأبرياء وإغتصاب العديد من الأراضى الإسلامية وكان ذلك العفو دليلا على سماحة الإسلام مع أبناء الديانات الأخرى وبالتالى القضية ليست دينية وإنما القضية تكمن فى إغتصاب أرض إسلامية .

والغريب رغم أن العفو الذى منحه صلاح الدين لآلاف الجند الصليبيين الأسرى هو عمل فى غاية الإنسانية إلا أن أمراءهم قابلوا الإحسان بالإساءة فأمروا نفس هؤلاء الجنود بالتجمع فى ثلاث مناطق هم صور وصيدا وأنطاكيا وتلك المناطق التى لم يستطع صلاح الدين فتحها أبدا .

دخل صلاح الدين المسجد الأقصى ليلة 27 رجب سنة 583 وأدرك عدم إمكانية الصلاة فى المسجد بسبب الحالة التى كان عليها حيث كان الصليبيون قد حولوه إلى حظيرة خنازير ولذا لم تعقد بالمسجد الأقصى صلاة أول جمعة بعد فتح بيت المقدس وأنما جاءت خطبة الجمعة الأولى بعد ذلك بأولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين يوم 4 شعبان سنة 583 وقد ألقى الخطبة فى ذلك اليوم محيى الدين بن الزكى وهو أحد الأئمة الكبار وأقدم صلاح الدين على إظهار ما كان يتمتع به من وفاء عندما أمر بإحضار المنبر من دمشق الذى كان نور الين محمود قد أمر بصنعه وذلك حتى يصعد عليه الخطيب عند إلقائه لأول خطبة جمعة بالمسجد الأقصى بعد تحريره ويا ليت الوفاء والعرفان بالجميل ينتشران بيننا كما كانا يثريان العلاقة بين المسلمين فى عهد صلاح الدين .

وفى موقف آخر جدير بالذكر أمر صلاح الدين بعد انقضاء صلاة الجمعة بأن يقوم زين الدين بن نجا المصرى بإعطاء درس دين للحاضرين فرغم مشاعر السرور والبهجة التى كانت تعم الجميع إلا أن صلاح الدين أراد أن يذكر المسلمين بضرورة الاستزادة من تعاليم دينهم وتطبيقها لصالح الأمة .

تلبيس الحق بالباطل .

وفى تلك اللحظة كانت كل ديار الإسلام فيما عدا صور وصيدا وأنطاكيا قد خضعت لصلاح الدين الأيوبى وعلى الجانب الآخر كانت الحسرة قد أصابت الغرب الأوروبى حتى مات البابا الكاثوليكى من شدة الحزن على إستعادة المسلمين لبيت المقدس وما كان من البابا الذى خلفه إلا أن يحاول إشعال الحماس فى الأفراد من خلال وعده لهم بدخول الجنة إذا ما صاموا يوم الجمعة وامتنعوا عن أكل اللحوم يومى السبت والأربعاء وبالإضافة إلى ذلك فرضت ضرائب جديدة سميت ب" عشور صلاح الدين " وكانت عبارة عن عشر الدخل الأوروبى المخصص للقضاء على صلاح الدين وبدأ الإعلام الأوروبى يستفز مشاعر الشعوب ضد صلاح الدين والمسلمين إذ شرعوا فى رسم لوحات كبيرة تصور السيد المسيح على أنه رجل ضعيف يضربه رجل غليظ بمطرقة وما أشبه الأمس باليوم حيث يصور العالم الغربى حاليا المسلمين بالإرهابيين .

وفى الحقيقة الإسلام ليس بحاجة لأن يدافع عنه أحد لأنه أكثر الرسالات السماوية سماحة على الإطلاق ويقول الحق تبارك و تعالى : " إن الدين عند الله الإسلام " ] آل عمران 3 : 19 [ .

والمطلوب من كل مسلم أن يفتخر بانتمائه للإسلام ورغم الهجمة الشرسة التى قام بها الأوروبيون بعد أحداث الحادى عشر من سبتمبر إلا أن عدد المعتنقين للإسلام من الملل الأخرى قد تزايد بعد ذلك التاريخ نتيجة إقبال الأوروبيون على دراسة تعاليم الإسلام واكتشاف مدى سموه .

وعودة إلى عصر صلاح الدين الأيوبى نجد أن التحفيز الإعلامى أدى إلى تحريك الحملة الصليبية الثالثة التى إتسمت بالقسوة والضراوة وقد وصلت الأخبار أن الأمير الألمانى فريديريك باربا روسا قادم إلى الشرق على رأس ثلثمائة ألف جندى وبالفعل عبرت تلك القوات قارة أوروبا واستعدت للوصول إلى الشام من الشمال كما أفادت الإستطلاعات أن الأسطول الإنجليزى بقيادة ريتشارد قلب الأسد وصل إلى صقلية فى طريقه إلى قبرص ثم إلى عكا هذا بالإضافة إلى تحرك ملك فرنسا فيليب أغسطس بأسطوله في اتجاه الشرق .

وإقتربت الأساطيل الأوروبية من عكا وشرع صلاح الدين فى إعادة تجميع القوات الإسلامية ولم يتوقف عدد الجند الغربيون القادمون إلى الشرق عند المائة وعشرون ألفا الذين حضروا فى الحملة السابقة وإنما كانت أوروبا بأسرها قد لفظت بفلذات أكبادها كما أن قادة الجيوش لم يكونوا مجرد أمراء عاديون مثل من سبقوهم فى الحملات السالفة وإنما كانوا ملوك وحكام إنجلترا وفرنسا وألمانيا وعند وصول الأسطولين الإنجليزى والفرنسى بأعداد غفيرة إلى عكا دار الحوار التالى بين صلاح الدين وابن شداد :

( ابن شداد ) : فيم شرودك يا صلاح الدين ؟ .

( صلاح الدين ) : إنى أفكر بعد أن نقضى على هذه الجموع القادمة أن أعبر البحر وأرفع راية الإسلام فى بلاد الفرنج حتى يقضى الله أمرا كان مفعول .

وإن دل كلام صلاح الدين على أمر ما إنما يدل على أنه كان ينظر للأمور بنظرة مستقبلية تملؤها الثقة بالتمكن من القضاء على الحملة الآتية إلى الشرق بقوات غير مسبقة ثم الخروج فى أرض الله عبر البحار لنشر الإسلام فإنه لم يعد يشغل باله بمجرد التفكير فى معركة من المعارك وإنما كان همه فى العمل على إعلاء راية الإسلام فى كافة أنحاء المعمورة .

وبدأ حصار الصليبيين لميناء عكا فى عام 585 هجرية بعد أقل من سنتين من فتح بيت المقدس وكانت هذه الحملة قد تم إعدادها إعدادا قويا حتى أن حصار عكا إستمر لمدة أربع وعشرين شهرا وهكذا ظلت عكا صامدة أمام الأسطولين الإنجليزى والفرنسى لمدة عامين كاملين دون أن تستسلم للقوات الصليبية وطيلة هذه المدة كانت قوات صلاح الدين متواجدة خارج أسوار عكا فيما كانت هذه القوات تقوم بهجمات برية متتالية .

وبعد ستة أشهر من حصار عكا وبالتحديد فى مطلع شهر شعبان قام بهاء الدين قراقوش وهو المسئول عن التموين بميناء عكا بإبلاغ صلاح الدين أن المؤن المتاحة سوف تنفذ بمضى أسبوعين وبناءا على ذلك كلف صلاح الدين مجموعة من سفن الأسطول المصرى بإختراق الأسطولين الإنجليزى و الفرنسى وبالفعل وأثناء تأدية الأسطول المصرى للمهمة البحرية التى تم تكليفه بها تدخلت القدرة الإلهية فيأمر الله تبارك وتعالى الرياح بتغيير إتجاهها بما يساعد الأسطول المصرى على بلوغ ميناء عكا بالمؤن اللازمة ولم يستطع الصليبيون إصابة الأسطول المصرى إلا بعد أن وصلت المؤن إلى داخل عكا وكان هذا الحدث أحد الأمثلة العديدة التى تنطبق عليها الآية الكريمة : " وما يعلم جنود ربك إلا هو " ] المدثر 74 : 31 [ .

ولقد أكرم الله عز و جل جنده لأنهم توكلوا عليه حق توكله فهم أولا قد تحروا تقواه سبحانه وتعالى ثم توجهوا إليه سائلين العون والتوفيق وأخيرا إنطلقوا ليؤدوا ما كتب عليهم من جهاد فى سبيله ومن ضمن هؤلاء الجند المخلصين كان عيسى العوام الذى أجاد السباحة حتى أنه كلف بهمة توصيل أربعة آلاف دينارا ذهبية إلى عكا وسبح عيسى العوام بين السفن الصليبية غير عابئ بما قد يحدث له فى سبيل إنجاز المهمة التى كلف بها وأصيب عيسى بأحد السهام وتوفى فى الحال فغرق ولكن يشاء السميع العليم أن يصل جثمانه طافيا على شاطئ عكا ليحصل أهلها على ما كانوا ينتظرونه من دنانير وبهذا يكون الله جل علاه قد أكرم هذا المؤمن بالشهادة إن شاء الله بما فى ذلك من جزاء ونعيم لا يعلم مداه إلا الله العلى القدير وفى نفس الوقت عززه بين الناس بأن جعله يؤدى أمانته حتى بعد وفاته .

وتلك الأمثلة للإخلاص والإيمان بالله الواحد القهار جاءت من أناس كان مسلكهم مختلفا عما نحن عليه الآن فلم يكن هؤلاء المؤمنون يخشون إلا بارئهم تبارك وتعالى ومن أمثلة ذلك ما فعله شاب دمشقى لم يهب أو يستسلم لمناعة وضخامة الأبراج التى أحضرها معهم الصليبيون والتى كانت تقل على سطحها خمسمائة جندى وكان هذا الشاب قد لاحظ أن المادة المصنوعة منها الأبراج مادة لا تؤثر فيها النيران ولذلك فقد عنى بدراستها بهدف التوصل إلى تركيب كيميائى يستطيع أن يقضى عليها وقد ظل هذا الكيميائى عاكفا فى معمله طيلة ثمانية أشهر بذل فيها ما استطاع من جهد ومال وفكر حتى وفقه الله تعالى إلى إكتشاف مادة تبيد الأسوار الصليبية ولما كان من الضرورى أن يصل هذا الدمشقى إلى داخل عكا ليسلم المادة المكتشفة حتى يتم تصنيع منها كميات كبيرة تستخدم فى القضاء على الأبراج أمر صلاح الدين ابنه الأفضل بقيادة بعض الجند لتأمين وصول الدمشقى خلف أسوار عكا وبالفعل وصل الشاب إلى عكا وسلّم التركيب الكيميائى المؤثر الذى كان سببا فى تدمير الأبراج الصليبية وجاءت المفاجأة عندما أراد صلاح الدين مكافأة هذا الدمشقى الأمين دار بينهما ما يلى من حوار قصير :

( صلاح الدين ) : لقد أديت أيها الرجل واجبك بأمانة وتكبدت فى سبيل ذلك ما تكبدت وقد وجب علينا حسن جزاؤك فما تطلبه يكون لك بإذن الله .

( الشاب الدمشقى ) : والله ما فعلت ذلك من أجلك وإنما فعلته لله رب العالمين وإنى أنتظر جزائى يوم القيامة من الله العفو الكريم .

وبذلك أصبح الشاب الدمشقى مثالا عمليا للإخلاص لله عز وجل فقد رفض كل ما كان من الممكن أن ينعم به جزاء ما صنعه من عمل أفاد به الأمة و قضى به على سلاح عدوها وما كان ذلك ليبدر إلا من عبد عرف الله ووثق فى خير جزاءه فاستعوض به عن إحسان من سواه .

والجدير بالملاحظة أيضا أن تلك النوعية من الأفراد قد إقتدت بخير قدوة حيث ضرب صلاح الدين مثالا للقائد الذى لا يتوارى أن يقدم ابنه فداء لإعلاء كلمة الله عز وجل وقد تجلى ذلك عندما جعل صلاح الدين ابنه الأفضل على رأس الجند المرافقين للدمشقى حتى إخترقوا أسوار عكا ونفذوا إلى داخلها بما فى ذلك من خطر يحيق بإبن السلطان ولكن صلاح الدين لم يشغل باله بكونه سلطان المسلمين ولا أبا لولده وإنما أقدم على ما فعله إبتغاءا لمرضاة الله جل علاه .

وما كان سلوك صلاح الدين إلا إتباعا لأحكام الشريعة الغراء التى نزلت على رسول الله صلى الله عليه و سلم وإقتداءا بصحابته عليه أفضل الصلاة والسلام ولقد جاء رجلا إلى النبى الكريم صبيحة غزوة خيبر وأشهر إسلامه فأشركه الرسول صلى الله عليه وسلم فى قتال اليهود وبعد إنتهاء المعركة وعند لحظة توزيع الغنائم قال الصحابى مخاطبا خاتم المرسلين : " ما على هذا اتبعتك ولكني اتبعتك على أن أرمى إلى ها هنا وأشار إلى حلقه بسهم فأموت فأدخل الجنة " وقال النبى صلوات الله وسلامه عليه : " إن تصدق الله يصدقك " ولم يمض على ذلك الحدث إلا قليلا حتى إستشهد الصحابى فى معركة تالية وعندما أحضره الصحابة أمام النبى وجدوا سهما مخترقا رقبته فى نفس الموضع الذى كان قد أشار إليه فسأل الرسول : " أهو هو ؟ " قالوا : " نعم " فقال النبى : " صدق الله فصدقه " . رواه النسائي .

والغرض من إستعراض تلك الأمثلة العملية للإخلاص لرب العالمين هو تحفيز كل منا على محاكاة تلك النوعية من المؤمنين المخلصين الذين نفتقدهم حاليأ مما أدى إلى إنحدار أحوالنا إلى أدنى المستويات .

ومن أهم السلوكيات التى كانت ذات أثر بليغ على نفوس المسلمين وإستتبعتها رحمة الله لهم أثناء حصار ميناء عكا كان سلوك التوجه إلى الله تبارك وتعالى بالدعاء والابتهال وبالنظر إلى الحال التى آلت إليها أمور أمتنا من تدهور فما أقل من أن يتوجه كل فرد منا بالدعاء إلى المولى عز وجل سائلا العون والإرشاد والتثبيت للنفس وللأمة بأسرها لعل الله جل علاه يستجيب لدعاء أحد الصالحين فيفرج عنا ما نحن فيه من كرب .

هذا تلخيص لأحد دروس الدكتور ياسر نصر

أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

معركة حطين وبيت المقدس

يشترك الأفراد والجماعات والدول أيضا فى ضرورة أخذهم بالأسباب حيث قال الله تعالى فى كتابه الكريم :

" إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم " ]الرعد 13 :11 [ .

وبالتالى فعندما تكون هناك رغبة فى إنجاز أمر معين فهذا الأمر يستطلب بالقطع جهدا مبذولا لتحقيقه ولا يجوز السكون إعتمادأ على التوفيق الإلهى فى تدبير الأمور فإن الله يحب العبد المجتهد الذى ما أن بذل ما فى وسعه حتى أدركته رحمة الله وبركاته فى حسن إتيان ما أقبل عليه وبذل له الجهد المستطاع .

فى صباح معركة " حطين " وبعد صلاة الفجر تحديدا إستعرض صلاح الدين الأيوبى قواته وأخذ يتأكد من ترتيبات الخطة التى كان هدفها إنهاك العدو بإجباره إلى هبوط منحدر " حطين " بما فى ذلك من مشقة وإرتباك .

ولكن صلاح الدين كان قد إهتم منذ سنوات طويلة بأمر أهم وأدق وهو الإعداد النفسى للجند المسلمين لأنه كان يعلم أنه بقدر الإهتمام بالجانب المعنوى و النفسى للفرد بصفة عامة وللجندى بصفة خاصة بقدر ما تزيد قدرة تحمله للمواقف الصعبة وعلى سبيل المثال هل يمكن لرجل لا يغض بصره عن محارم الله أن يشترك فى موقعة الغرض منها إبتغاء مرضاة الله ؟ أو أن يسهم فى إستعادة بيت المقدس ؟ أو أن يكون ممن يطهرون المسجد الأقصى من أيدى أعداء الدين وأن يصلى فيه ركعتين ؟ وهل يجوز لشاب لا يصلى الفجر أن ينال شرف الجندية فى معركة عزة للإسلام مثل معركة " حطين " ؟ الإجابة واحدة فمن لا يغض بصره ومن لا يصلى الفجر لن يجوز ضمه لصفوف الجند وهذا يعنى أنه إذا أراد شابا أن يحظى بإختيار الله عز وجل له ليكون ضمن المقاتلين فى المعركة الفاصلة فعليه أن يلتزم بتحرى تقوى المولى تبارك وتعالى من خلال البعد عن المعاصى والإكثار من الطاعات و كذلك الأمر بالنسبة للفتاة التى لا ترتدى الزى الإسلامى للمرأة فكيف لها أن تقوم بتربية إبنها تربية ربانية مثل تلك التى تلقاها صلاح الدين الأيوبى ؟ و أيضا كيف يمكن للشاب الذى لا يبر والديه أن يتحكم فى مقدراته وأن يوجه نفسه التوجيه السليم ؟ ألم يقرأ الآية الكريمة : " فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما " ]الاسراء 17 :23 [.

والأسئلة التى تطرح فى هذا الخصوص ليس المقصود منها التعجيز وإنما المرجو هو مواجهة الواقع بكل تفاصيله حتى تتم المعالجة الصحيحة للسلبيات القائمة ودائما ما يلقى اللوم على الحكومات أنها لا تعمل على تحرير فلسطين والمسجد الأقصى ولكن القضية لا تخص السياسات العامة ولا مقدرات ملوك ورؤساء وإنما الأمر يتعلق بإرتباط الشخص بربه حتى يختاره الله سبحانه وتعالى لمعركة مثل التى دارت بسهل حطين وهذا هو بالضبط ما فعله صلاح الدين والمجموعة المعاونة له وفى الحقيقة القضية هى كيفية إعداد أمة تنصر الله فينصرها الله ويعزها ويكون ذلك من خلال التربية على الأسس الإسلامية وغرس المعانى الإيمانية فى الصغار حتى تكون لهم زادا يسلكون من خلاله الطريق القويم .

ومع بزوغ فجر يوم 24 من ربيع الآخر لعام 583 هجرية كانت أول هجمة صليبية على جيش صلاح الدين فى سهل حطين ونزل من الهضبة ستون ألفا من الجند الغربيين لم يعد منهم سوى ثلاثون ألفا فقط أى أنه خلال ست ساعات أبيد ثلاثون ألف جنديا صليبيا بينما عاد الآخرون يخبرون عن الأهوال التى شاهدوها فى سهل حطين وعندما رأى ابن صلاح الدين ما حدث قال " إننا إنتصرنا " ولكن صلاح الدين قاطعه بقوله " اصمت فوالله لا ننتصر حتى تسقط خيمة جايل أمير بيت المقدس " ثم بدأت الهجمة الصليبية الثانية والذى كان هجوم شبه انتحارى لأنهم كانوا قد إستنفذوا أجسامهم وأعصابهم طوال اليوم والهجمة الثانية كانت أيضا بستون ألف مقاتل لم يرجع منهم سوى ثلاثون ألفا فقط وهذا يدل على أن نصف الجيش قد أبيد فى خلال إثنتى عشرة ساعة فحسب ويتضح بذلك أن الخمسون ألف جندى المؤلف منهم جيش صلاح الدين كان يقاتلون بمعونة من قبل رب العالمين سبحانه وتعالى ولكن تلك الحقيقة الواضحة لم تدر ببال الأمراء الصليبيين فارتكبوا الخطأ الفادح بالإقدام على شن هجمة ثالثة ولما أراد هؤلاء القادة أن يشعلوا حماس جنودهم أمروا بعضهم برفع صليب ضخم اسمه " صليب الصلبوت " ومشوا فى مقدمة الهجمة الثالثة وبدأوا الإنحدار الشديد ليواجهوا المسلمين مواجهة شرسة حيث كانت فرصتهم الأخيرة وفى المقابل أدرك قادة أفرع الجيش المسلم حماس الصلبيين فأخذوا يحفزون جندهم ويذكرونهم برضا الله و الجنة وبناءا عليه إحتدم الوطيس وتفوق المسلمون حتى أتوا خيمة الصليبيين ومزقوها إربا وسقط " صليب الصلبوت " فى أيدى الجند المسلمون ولم يبق من الجيش الصليبى بأكمله إلا الأسرى أما أرناط وجايل فقد حاصرهم مائة وخمسون فارسا مسلما .

وانتهت المعركة بانتهاء اليوم فكانت معركة اليوم الواحد ولكنها في الواقع احتاجت إلى إعداد الأمة على مدى واحد وتسعين عاما على يد أمراء بنى أرطق ثم عماد الدين زنكى ومرورا بنور الدين محمود وإنتهاءا بصلاح الدين الأيوبى وهذا يدل على ضرورة عدم اليأس من الأوضاع الحالية حيث أن المسجد ظل تحت سيطرة الصليبيين لمدة واحد وتسعون عاما اتخذه أثناءها الصليبيون حظيرة للخنازير فى حين أنه يخضع للإحتلال حاليا منذ 1948 أي تسعة وخمسون وتقام فيه الصلاة حتى الآن وبالتالى لازال الأمل معقودا على عودة المسجد الأقصى وتحرير كل ديار المسلمين بشرط خروج قائد جديد من بين صفوف شباب المسلمين مثل صلاح الدين الأيوبى .

وفي الحقيقة تتضاءل مشاعر الإنتصار أمام الموقف الذى إتخذه صلاح الدين عندما تحقق من الإنتصار إذ أنه نزل من على فرسه وسجد سجدة شكر وظن من حوله أن روحه قد قبضت فيها من طول السجدة ولذا فإن دعاء صلاح الدين قبل المعركة وسجدة الشكر بعدها يدلان على نوعية القائد الذى نحتاج إليه ليقودنا إلى العزة .

إنتهت المعركة ولكن تبقى الدروس المستفادة منها وعلى سبيل المثال أخذ صلاح الدين يبحث عن أرناط وسط الأسرى حتى وجده وكان قد أقسم على قتله وقد فعل وذلك لأن أرناط كان من الأشخاص الذين يقتلون الأطفال لمجرد حملهم الحجر فأنى لنا برجل يقسم على الله فيبره مثلما حدث مع البراء بن مالك وصلاح الدين الأيوبى ولقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كم من أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره منهم البراء بن مالك " رواه الترمذي وقال حديث حسن ، وقتل أرناط وانتهى عهده وظهر عهد جديد هو عهد القوة والعزة للإسلام .

أخذ صلاح الدين الأيوبى يتفقد الأعداد الغفيرة من الأسرى سواء الأمراء أو الجند الصليبيين الذين أتوا إلى الشرق بأطماع الثراء ودون أن يفكروا فى اليوم الذى سيذوقون فيه مرارة الذل كيوم حطين واسترجع صلاح الدين الأيوبى ذاكرة بعض أبيات الشعر التى كان نور الدين محمود يحتفظ بها ثم وصلت إليه وتقول هذه الأبيات :

يا أيها الملك الذى لمعالم الصلبان منكس
جاءت ظلامة تسعى من البيت المقدس
كل المساجد طهرت وأنا على شرفى منجس

وإذا كانت الأبيات جاءت على لسان المسجد الأقصى فذلك لأنه أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين وأحد ثلاثة مساجد فقط يشد إليها الرحال والصلاة فيه بخمسمائة صلاة فى غيره من المساجد وهو المسجد الذى بناه آدم عليه السلام وقد أثبت الله سبحانه وتعالى فى القرآن الكريم أن البقعة التى بنى عليها المسجد الأقصى هى حكر لهذا المسجد ولا يجوز لأى شخص أن يبدل أو يشوه شكل هذا المكان فيقول الله تعالى : " سبحان الذى أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذى باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير " ]الإسراء 17 :1 [ .

ولذلك ينبغى أن يتأصل فى عقيدة كل مسلم فى كل زمان ومكان أنه ليس لأحد حق فى أرض فلسطين إلا المسلمين وأن هذه الأرض ملك لله تبارك و تعالى يورثها لمن يشاء ولقد أطلق الصهاينة اسم إسرائيل على تلك القاعدة الصهيونية الموجودة على أرض فلسطين رغبة منهم فى إخفاء معالم التاريخ غير أن رب العالمين لم يترك موضعا يحاولون به تزييف الوقائع إلا أظهر حقيقته بآية من القرآن الكريم وأكد على أنه ليس لليهود حق فى أرض فلسطين وليس من دليل أقوى على ذلك إلا الآية القرآنية التى تذكر لحظة إحتضار يعقوب عليه السلام والمسمى ب " إسرائيل " وتوضح أن ملته هى الإسلام : " أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدى قالوا نعبد إلهك وإله آبآئك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا و نحن له مسلمون " ]البقرة 2 :133 [ .


ولنتأمل كذلك الآية القرآنية التى تورد مناجاة يوسف عليه السلام لرب العزّة تبارك وتعالى : " رب قد آتيتنى من الملك وعلمتنى من تأويل الأحاديث فاطر السموات والأرض أنت وليي فى الدنيا والآخرة توفنى مسلما وألحقنى بالصالحين " ]يوسف 12 :101 [ .

ولننظركيف يأصل موسى عليه السلام لدى قومه الإسلام كعقيدة ومنهج :

" وقال موسى يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين " ]يونس 10 :84 [ .

وقد إعترض اليهود زاعمين أنهم بنوا الهيكل فى عهد داود وسليمان فيفضح القرآن الكريم أكاذيب هؤلاء الصهاينة بتبيان الحقبة وطبيعة الملة والدين التى كان يدعو إليها داود وسليمان عليهما السلام وذلك من خلال ما ورد برسالة سليمان إلى الملكة بلقيس : " إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ألا تعلوا علىّ وأتونى مسلمين " ] النمل 27 : 30 – 31 [ .

ويجادل اليهود إذ يفسرون لفظ " مسلمين " على أنه إستسلام وليس إعتناقا لدين الإسلام فترد عليهم بلقيس بقولها لربها : " قالت رب إنى ظلمت نفسى و أسلمت مع سليمان لله رب العالمين " ]النمل 27 :44 [ .

ويلاحظ بكل وضوح فى الآيات السابقة تأصيل عقيدة الإسلام لكل نبى ورسول من لدن آدم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إذن فالعقيدة التى إعتنقها كل الأنبياء والرسل واحدة أما التحريف الذى أجراه الصهاينة فلا قيمة له عندنا نحن المسلمين لأننا نعتقد ما يعتقده الأنبياء والرسل ولم يترك القرآن ولا الأحاديث الشريفة فرصة لتزييف الحقائق حتى ولو ذكرت الموسوعة الأمريكية المطبوعة سنة 1980 أنه كان هناك هيكلا يهوديا قائما فى بيت المقدس وقت من الأوقات وحتى لو ذكر ديورانت صاحب موسوعة الحضارة أن سليمان وداود كانا نبيان يهوديان فلا نصدقه لأن القرآن ينفى ذلك و لأن النبى صلى الله عليه وسلم صلى بالأنبياء والرسل جميعا فى المسجد الأقصى من ضمن ما حدث خلال رحلة الإسراء والمعراج وبالتالى ليس لليهود حق فى أرض فلسطين حتى أن التاريخ يثبت أنهم لم يقيموا بفلسطين أكثر من مائتى عام وقد ظل اليهود بمصر ثلثمائة عام فلم لا يطالبون بحكم مصر .

إن أسباب الإنتصار فى حطين لا تتغير بتغير الزمان والمكان وإذا كان الهدف هو إعادة أمجاد الأمة فينبغى البحث عن القيادة السليمة التى تؤدى إلى بيت المقدس والإلتزام بأصول التربية وأصول إختيار القيادات .

وبعد الإنتصار الذى حققه فى حطين شرع صلاح الدين فى فتح الحصون المختلفة مثل الناصرة وقيصرية وحيفا وعكا وصافورية وعسقلان والطور ويافا ونابلس وغيرها من المدن وإقترب صلاح الدين من بيت المقدس فى 20 رجب عام 583 هجرية وظل صلاح الدين محاصرا لهذه المدينة أسبوعا بأكمله حتى جرت مفاوضات فى خيمته بينه وبين القائد الصليبى ليليان لبحث ظروف تسليم الصليبيين لبيت المقدس إلى المسلمين ولأننا أبناء عقيدة الإسلام ونستمد أصول معارفنا من القرآن الكريم وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبمفهوم هذه العقيدة وقف صلاح الدين الأيوبى أمام ليليان ودار بينهما الحوار التالى :

(ليليان) : إن الموت أيسر علينا من أن يملك المسلمون بيت المقدس ودون ذلك بذل النفس والمال والولدن حتى نحفظه منهم .

(صلاح الدين) : إن هذه البلاد التى تسكوننها هى بلاد الإسلام وأنتم الذين أتيتم من وراء البحر وأطلقتم على أنفسكم إسم " الصليبيين " وأصبح وجودكم عار على شرفنا ولن يخمد لنا جفن أو يرتاح لنا قلب حتى تجلوا عن هذه الأرض .

وكم كان رد صلاح الدين الأيوبى مليئ بالحماس والثقة بالله ثم بالنفس ونظرا لغطرسة ليليان وعناده لم يجد صلاح الدين بدا من قذف أسوار المدينة بالمنجنيق حيث كان التركيز على باب عمر وتم فتحه .

سماحة الاسلام .

وعند هذه اللحظة تفاوض ليليان مرة أخرى مع صلاح الدين طالبا منه أن يسمح للصليبيين بالرحيل بسلام ولكن صلاح الدين كان له رأيا آخرا حيث أنه كان ما زال يدور بخلده المذبحة التى راح ضحيتها سبعون ألفا من النساء والأطفال والشيوخ عند إستيلاء الصليبيين على بيت المقدس ولذلك أصبح من الطبيعى إعتبار الصليبيين أسرى حرب لأن ليليان كان قد رفض الرحيل فى المفاوضات الأولى .

وكانت الفدية للرجل الصليبى قدرها عشرة دنانير وخمسة للمرأة وثلاثة للطفل بل إن صلاح الدين ظل فاتحا لأبواب المدينة يوما كاملا لخروج من لم يستطع من الشيوخ أن يدفع الفدية ثم جاءته النساء تتشفعن لأزواجهن فانطلاقا من تعاليم الإسلام الكريمة فك صلاح الدين أسر رجال الصليبيين .

وإذا كان صلاح الدين قد تعامل مع الصليبيين بهذا القدر الهائل من السماحة فلم لا يتعامل كل منا تجاه الآخر بمبدأ العفو عند المقدرة ؟ ولذلك فالمطلوب منا إستنفار مشاعر التسامح الموجودة بداخلنا حتى يسود الوئام بين كافة أفراد الأمة.

هذا تلخيص لأحد دروس الدكتور ياسر نصر

أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

ما قبل حطين

لقد طالعتنا الأحداث التاريخية بمدى تأثرها بحالتى الوحدة والفرقة وأخبرتنا بما جنيناه من عزة نتيجة لتوحدنا وبما عانيناه بسبب فرقتنا ولعل كل منا قد عمل على نبذ أى خلاف مع إخوته فى الدين وحاول أن يقرب المسافات بينه وبينهم حتى يأتى اليوم الذى تكون فيه الأمة وحدة واحدة من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب .

وإذا كان هذا الجزء يخص بالذكر ما جرى من استعدادات قبل معركة حطين فذلك لأن تلك المعركة وما سبقها وما تلاها تعد جميعها مبعثا على العزة و الأمل فى إعادة وضعنا إلى ما كان عليه بعد الانتصار فى تلك المعركة وكذلك فإن ذكر ماجرى بموقعة " حطين " يؤكد أنه سيأتى اليوم الذى نحقق فيه انتصارا مثل الذى حققناه من قبل ونتخلص فيه من كل الغاصبين لأرض الإسلام وفى هذا السياق أذكر حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذى يقول فيه : " لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود فيقتلهم المسلمون حتى يختبئ اليهودي من وراء الحجر والشجر فيقول الحجر والشجر يا مسلم يا عبد الله هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود " . رواه مسلم، والغرقد هو الذى يهتم اليهود الآن بزراعته بآلاف الأعداد داخل ما يسمونه " دولتهم " ، إذن فإن نوعية الانتصار الذى حدث فى " حطين " لايقتصر حدوثه على ذلك اليوم ولا على ذلك الموقع إنما هو النوع الذى أنبأنا نبينا الكريم صلوات الله عليه وسلم بضرورة حدوثه فى لحظة مستقبلية قبل قيام الساعة ولكن الأسئلة المهمة تطرح نفسها " ماذا سيكون موقفك من المعركة المنتظرة ؟ هل أنت على استعداد للمشاركة فيها بالأسلوب المتاح لك ؟ أم ستقعد مع القاعدين ؟ وعن الإعداد السليم لأى معركة حربية يخوضها المسلم ضد أعداء الدين يقول الله تعالى : " وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم " ] الأنفال 8 : 60 ] .

وعند التدقيق فى الألفاظ التى حوتها الآية الكريمة نجد أن الإعداد للمعركة لا يكون بتوفير ما تيسر من القوى المادية فقط وإنما هو إعداد إيمانى فى المقام الأول يصحبه إستحضار لأسباب الإنتصار وأحد هذه الأسباب هو مواجهة العدو بجسارة بحيث تقع فيه الرهبة من المؤمنين وهذا هو " الإرهاب " الذى رخصه الله تعالى لعباده المواجهين لأعداء الدين أما ما يفعله المجرمون والمأجورون والمرتزقة فهذا ليس له أية علاقة بالإسلام ولا بهذه الآية إنما كانت الآية القرآنية نبراسا لصلاح الدين بعد أن استعد واستتب له الأمر فأراد أن يواجه الصليبيين فى معركة واحدة فاصلة لا تقوم لهم قائمة بعدها وبالفعل بعد انتصار " حطين " لم يقو الصليبيون على مواجهة المسلمين طالما كان المنهج الإيمانى الذى انتهجه صلاح الدين يعمل به .

كان المرض الشديد الذى قد تعرض له صلاح الدين سببا فى أن تتم المعاهدة بينه وبين سيف الدين غازى وكان هذا الحدث دليلا على سماحة صلاح الدين ونبل أخلاقه التى جعلته يتصالح مع ذلك الأمير المسلم الذى ظل معاديا لفكرة التوحد لفترة طويلة ولما شاء المولى عز وجل أن يشفى صلاح الدين من المرض الذى كاد أن يودى بحياته كان ذلك له وقع سلبى على سيف الدين غازى الذى كان يطمع فى خلافة صلاح الدين ولكن لم يكن له أن يتراجع عن شروط المعاهدة التى كان قد أبرمها مع سلطان مصر والشام .

وقد إتصف صلاح الدين بالوفاء بالعهود وعدم نقضها ولكن الوضع إختلف عندما أقبل الأمير الصليبى أرناط على إحدى غدراته بتعرضه لقوافل الحجيج فى نفس السنة التى وقعت بها موقعة " حطين " إذ كانت لا علاقة له بالفروسية ولا الإنسانية ولم يكن يحترم أى عهد أو ميثاق وبالفعل سطى أرناط على قافلة للحجيج العزل وما كان ذلك بجديد عليه ولا على كل سفاح فى كل زمان ومكان وبالنسبة لصلاح الدين كان ذلك الحدث الإجرامى نقضا للعهد المبرم بينه وبين الصليبيين فتحرك صلاح الدين فورا على رأس إثنى عشر ألف جندى إلى قلعة الكرك وبدأ يدق أسوارها بالمنجنيق ليل نهار ولكن مناعتها حالت دون سقوطها فى يده .

الحرب خدعة .

وفى الواقع لم يكن صلاح الدين قد عقد العزم على الإستيلاء على تلك القلعة وإنما أراد بمهاجمتها أن يصرف أعين الصليبيين عن جموع المقاتلين الذين بدأوا يتجمعون فى دمشق حاضرين من الحجاز واليمن ومصر وتونس حيث كان الإعلان العام للجهاد فى سبيل الله قد أشيع فى شرق البلاد وغربها و كان الأفضل بن صلاح الدين الأيوبى منتظرا لهذه الجموع فى دمشق فأخذ ينظمها ويحرص على تدريبها انتظارا لعودة صلاح الدين إلى دمشق ونظرا للخبرات العسكرية التى كان صلاح الدين قد إكتسبها من عمه أسد الدين شيركوه ومن قائده نور الدين محمود فى الشام ومصر فقد حرص هذا القائد المحنك على إخفاء وجهته الحقيقية للمعركة الفاصلة حتى لا يأخذ الصليبيون إحتياطاتهم ومن أجل هذا السبب كان صلاح الدين قد توجه إلى الكرك بينما كان الأسطول المصرى يهاجم عسقلان وذلك ليوحى لأعدائه بأنه يرغب فى فتح عسقلان ودخول بيت المقدس عن طريق البحر وإمعانا فى التمويه ينسحب الأسطول المصرى بقيادة حسام الدين لؤلؤ من أمام عسقلان ويتجه إلى الشمال لضرب عكا وبالفعل تحركت فرقة تتألف من خمسمائة فارس بقيادة مظفر الدين كوكبري وكانت مهمتهم شبه إنتحارية إذ كلفوا بضرب أمنع الحصون الصليبية على الإطلاق وهى عكا التى كان بها أفضل جند الأعداء من الداوية والإسبتارية وكان صلاح الدين يهدف بذلك الهجوم على عكا زعزعة نفوس جندها بشكل مؤثر وخاض مظفر الدين كوكبري موقعة من أشرس المواقع التى حدثت قبل " حطين " فقد فيها ثلثمائة مقاتل من خيرة مقاتلى الشام مقابل موت ألف وخمسمائة صليبى من فرسان الداوية و الإسبتارية وبذلك إعتقد الصليبيون إعتقادا راسخا أن صلاح الدين يهدف إلى الإستيلاء على عكا فأخذت قواتهم تتجمع فى عكا فجاء جايل من بيت المقدس وبوهيموند من أنطاكيا وريموند وأرناط بعد أن فك صلاح الدين الحصار الذى كان قد فرضه على الكرك وتجمعت القوات الصليبية بالفعل فى مكان قريب من عكا اسمه " صافورية " وهو يبعد ستة عشر ميلا عن هضبة حطين .

وعاد صلاح الدين إلى دمشق وأخذ يتفقد الجموع القادمة فى سرية كاملة وبإعداد توافق نفسى وتنسيق بين الكتائب القادمة من كل البقاع الإسلامية حرصا على تحقيق الإنتصار فى المعركة المنتظرة وكان قد جاء من مصر خمسة عشر ألف جندى أرسلهم العادل أخو صلاح الدين ونفس العدد أيضا جاءوا من دمشق ليتجمع لأول مرة مع صلاح الدين خمسين ألف مقاتل من خيرة فرسان الأمة الإسلامية .

ولكن الجدير بالذكر أن نوعية الجند الذين تجمعوا لم تكن على شاكلة الجند الذين واجهوا الحملتين الصليبيتين الأولى والثانية فلقد كان هناك إختلافا كبيرا بين الفئتين حيث أن الجند المعدون لخوض معركة " حطين " كانوا قد خضعوا منذ صغرهم لتربية إسلامية صحيحة ووصلوا لدرجة كبيرة من اليقين بعد سنين طويلة إذ كان معظمهم من خيرة شباب مصر ودمشق وحلب وحمص ومعرة النعمان وديار بكر والموصل وبغداد وبذلك يكون صلاح الدين قد نجح فى تكوين توليفة من المقاتلين يصعب قهرهم .

وتواجد كل هؤلاء الجند المسلمون فى دمشق بينما كان قرنائهم من الأعداء متجمعون فى صافورية وشرع صلاح الدين فى ضرب عمق بيروت بضرب خاطف بغية إرباك الصليبيين وتمويههم عن مقصده الحقيقى من موقع المعركة التى يخطط لمواجهتهم فيها .

وبدأت اللحظة الحاسمة بوصول القوات الإسلامية إلى موقع المعركة فى 16 ربيع الثانى من عام 583 هجرية وكان الجند قد وصلوا إلى منطقة الإقحوانة بعد عبورهم نهر الأردن إلى الجنوب من بحيرة طبرية ووصل بالفعل صلاح الدين الأيوبى إلى الإقحوانة دون أن يتأكد أحدا من أعدائه إذا كان ينوى التوجه إلى صافورية للقتال أم للبقاء فى ذلك الموقع لاسيما أنهم كانوا فى أشد القلق من تنامى قوته العسكرية وكان الأمراء الصليبيون يتساءلون إذا كان الأنسب لهم أن ينتظروا هجوم صلاح الدين أم أن يبادروا هم بالهجوم قبل أن يكون قد جمع قواته ومن هنا جاء الخلاف بينهم فبينما كان جايل و ريموند يفضلان عدم التحرك من صافورية خالفهما أرناط كالعادة نظرا لغطرسته وأصر على شن هجوم مباغت على صلاح الدين ورغم أن الأميران الصليبيان الآخران أخذا يحذرانه من عدد وعدة صلاح الدين إلا أنه كان يرد عليهما بغرور ووصف الجند المسلمون بالحطب إذ قال : " إن الحطب الكثير تشتعل فيه النيران أكثر " وإن دلت سخرية أرناط على شيئ إنما تدل على غروره الذى سيدفع ثمنه حياته وهزيمة قواته شر هزيمة حتى أن المؤرخون حينما يشيرون إلى موقعة " حطين " فإنهم لا يصفونها بالمعركة الحربية وإنما " الزلزال " ، فقد كانت هزيمة الصليبيين فى حطين زلزالا بالفعل زلزل كيان أوروبا كلها .

صلاح الدهاء والحيلة .

وفى صباح اليوم التالى حرك صلاح الدين قواته من " الإقحوانة " إلى منطقة اسمها " تل كفر سبت " وكان على صلاح الدين أن يتخذ موقفا لاستفزاز القادة الصليبيين فوصل إلى قلعة " طبرية " و فتحها ولم يمكث فيها طويلا بل تركها لأن زوجة ريموند كانت موجودة بالقلعة وكانت خطة صلاح الدين هى إستثارة ريموند نفسيا حتى يتبع أرناط من " صافورية " إلى المنطقة التى يستهدفها سلطان المسلمين والمسماة " تل حطين " كموقع للمعركة الفاصلة ضد الصليبيين وطلب أرناط بشدة من ريموند وجايل اللحاق به إلى " حطين " وبالفعل تحركت قواتهم إلى هناك ولكن صلاح الدين كان قد أعد مفاجأة لأعدائه عندما قام بردم آبار المياه كلها على طول الستة عشر ميل من " صافورية " إلى " حطين " وبذلك يكون السلطان المسلم قد حرم أعدائه من مصادر المياه واستفزهم على مواجهته عسكريا فى طقس حار من شهر يوليو وأرهقهم بالتنقل من موقع إلى آخر وهم محملين بقدر كبير من الأثقال نظرا للباس الحربى والمعدات العسكرية التى تعود الجندى الصليبى على حملها وبالطبع أدى كل ذلك إلى إنهاك الجيش الصليبى عند وصوله إلى " تل حطين " .

وهكذا وجد مائة وعشرون ألفا من الجند الصليبيون أنفسهم فوق هذا التل وهم على وشك الحرمان من المياه بعد نفاذ صهاريج الماء التى أحضروها معهم كمصدر إحتياطى وكان ذلك هو اليوم الذى أذاقهم فيه صلاح الدين مرارة العذاب البدنى والنفسى التى طالما جرعوا المسلمين من كؤوسها وعلى الجانب الآخر كان المسلمون فى شوق إلى اللحظة المنتظرة منذ واحد وتسعين عاما لتحرير فلسطين والمسجد الأقصى الذى كان هؤلاء الصليبيون قد حولوه إلى زريبة للخنازير وإمعانا فى إحاكم خطته العسكرية أرسل صلاح الدين ثمانية آلاف مقاتل بقيادة فروخ شاه خلف مؤخرة الجيش الصليبى لقطع خط الرجعة عليهم ومنعهم من الهروب إلى " صافورية " أو " بيت المقدس " أو " أنطاكيا " أو " طرابلس " وبالفعل حدث صدام بين المؤخرة الصليبية والمقاتلون المسلمون فعرف الصليبيون أن لا ملجأ لهم إلا سهل " حطين " وبالإضافة إلى ذلك أمر صلاح الدين بإشعال النيران فى الغابات والمناطق العشبية المحيطة بالصليبيين وما كانت نتيجة كل ذلك الإحكام والدهاء العسكريين إلا أن إنسحب أحد القادة الصليبيون ووصل إلى خيمة صلاح الدين قائلا له : " فيم إنتظارك أقبل علينا لتنهى هذه المهزلة نحن فى إنتظار الموت " واستسلم ساعتها هذا القائد لجيش المسلمين .

وفى تلك اللحظة إنطلقت فرقة من المصريين لتتسلل خلف خطوط العدو بغرض إحداث فتحات كبيرة فى الصهاريج لإخلائها من المياه وإزاء هذا المأزق المفاجئ توجهت كتيبة صليبية من فرسان " الداوية " و " الإسبتارية " إلى بحيرة " طبرية " من أجل الحصول على الماء وكان فى إنتظارهم تقى الدين عمر وقواته الذين أبادوهم عن بكرة أبيهم .

إزدياد الايمان ليلة الامتحان .

ويتضح من كل ما سبق أن أسباب نجاح المسلمين كانت قد حضرت المسلمين قبل بدء المعركة وبالطبع كان ذلك نتيجة توجه صلاح الدين ومن أعدهم من الجند المسلمين إلى الله عز و جل ثم إلى حسن الإعداد الخططى لصلاح الدين عبر السنوات الطوال إلى جانب توفر المهرة من القادة من أمثال تقى الدين عمر وفروخ شاه والأفضل بن صلاح الدين ومظفر الدين كوكبري وآخرين من أبناء الجيل الذى كان قد عمل صلاح الدين على تنشأته النشأة الصالحة .

أما عن الإستعداد الإيمانى فحدّث ولا حرج فمن ضمن ما كان ليلة المعركة أخذ أحد الجند يبتهل إلى الله جل شانه قائلا : " الحمد لله الذى إختارنى لأشارك فى المعركة الفاصلة ، اللهم أسألك الشهادة فيها وأن تبر بقسمى بفتح المسلمين لبيت المقدس بعدها " ، ولنتأمل كذلك الحوار التإلى بين جنديين أحدهما يتحسس ملابس أخيه :

(الجندى الأول) : ما هذا الذى ترتديه ؟ .
(الجندى الثانى) : إنه الدرع الذى يقينى سيوف ورماح الصليبيين .
(الجندى الأول) : والله ما هذا لباس من يريد أن يقاتل فى سبيل الله .

وما كان من الجندى الثانى إلا أن خلع الدرع واحتضن المقاتلان على أن يلتقيا فى جنات الفردوس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة الكرام رضى الله عنهم وهذا طبعا بالإضافة إلى الأعداد الغفيرة التى قامت الليل بسورتى الأنفال والتوبة مرددة الآيات التالية :

" إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أنى ممدكم بألف من الملائكة مردفين وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم وما النصر إلا من عند الله " ] الأنفال 8 : 9 /10 [ .
" وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى " ] الأنفال 8 : 17 [ .

وكانت المشاهد تحدث بأن معركة " حطين " سوف تصبح مثل المعارك المباركة التى خاضها رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته رضوان الله عليهم وسوف يتحقق فيها النصر كما تحقق فى " بدر " أو " الخندق " أو " فتح مكة " إذن فإن إحساس المقاتلين أنفسهم كان مختلفا عن إحساسهم عشية المعارك السابقة لإرتباطهم بالله تبارك وتعالى .

أما الشخصية الأهم على الإطلاق فى مثل هذه المواقف هى شخصية القائد صلاح الدين الأيوبى الذى لم ينم لثلاثة أيام ولياليها قبل المعركة إرضاءا لوجه الله العلى القدير فهو يبتهل إلى الله تعالى قائلا : " اللهم لقد انقطعت أسبابى لنصرة دينك ولم يبق لى غير الإخلال إليك والتوكل عليك والاحتساب إليك فحسبى الله ونعم الوكيل " وبعد صلاة الفجر أخذ صلاح الدين يعد قواته ويرتبهم ميمنة وميسرة .

وبناءا على ما سبق فالمطلوب من كل منا أن يأخذ بالأسباب فى أى أمر من أمور الحياة ثم يتوكل على الله الرحمن الرحيم والأخذ بالأسباب لابد وأن تصاحبه مظاهر الجد والتنفيذ العملى ومتى أقبلنا على بذل الجهد والتضرع إلى خالقنا البارئ المصور البديع الكريم أصبح النجاح والفلاح حليف كل فرد فى أمتنا الغراء .

هذا تلخيص لأحد دروس الدكتور ياسر نصر

أقول قولي هذا اوستغفر الله لي ولكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

تفكير صلاح الدين في الوحدة

لما كانت العلاقة مع الله سبحانه وتعالى هى الأساس الصحيح والوحيد للسعادة فى الدنيا والآخرة وجب إذن علينا أن نتحرى إذا كانت قلوبنا تعى هذه الحقيقة وتعمل بناءا عليها أم أنه ما زال ينقصها التوجه المبدئى فى الإتجاه السوى ولا شك أن الرجوع إلى النفس سوف يكشف السلبيات التى نحتاج إلى إصلاحها حتى يستقيم أمرنا مع بارئنا ونعود إليه بقلب سليم .

ولا شك أن الوحدة كنتيجة وغرض مستهدف لابد وأن يكون لها مسبقات واستعدادات تمهد لها الطريق الشاق والطويل ولذلك فمن الطبيعى أن نعرض مجهودات صلاح الدين للوصول إلى الوحدة المنشودة ولقد عانى ذلك القائد المسلم فى سبيل ذلك أشد المعاناة وعلى سبيل المثال لم يستطع سلطان مصر والشام حتى سنة 579 هجرية أن يضم إمارة الموصل إلى الوحدة الإسلامية وكانت فكرة رفض الوحدة قد تملكت تماما من رأس سيف الدين غازى أمير تلك المنطقة حتى أنه رفض إمداد يد العون لصلاح الدين فى مواجهة الصليبيين وبناءا عليه عقد صلاح الدين معاهدة عدم اعتداء نهائية مع بلدوين الرابع أمير بيت المقدس وجاءت المعاهدة الأخيرة خلفا للأولى التى خرقها أرناط أمير قلعة الكرك وفى الحقيقة كان بلدوين الرابع رافضا لأفعال أرناط المشينة ولكنه فى نفس الوقت لم يشأ أن يخسر دعم أرض الحربى حتى لا يبدو ضعفه أمام صلاح الدين الأيوبى .

ومات بلدوين الرابع بعد أن عانى طويلا من مرض الجزام وتولى الإمارة بعده ابنه بلدوين الخامس وكان طفلا فى السابعة من عمره وبالتالى بدأت الخلافات على القيادة هل سيتولاها ريموند أمير طرابلس أو جابلوس جان أمير بيت المقدس وكان كل ذلك فى صالح المسلمين فسبحان الله الذى قدر الأمور على ذلك الوضع وبالفعل استفاد صلاح الدين الأيوبى من تلك الخلافات فى إحداث المزيد من الشقاق بين الأمراء الصليبيين بعضهم والبعض الآخر فعقد معاهدة مع ريموند تسمح لصلاح الدين بمهاجمة إمارة بيت المقدس أو أنطاكيا بالمرور على أرض طرابلس وكأن صلاح الدين أراد أن يسقيهم من الكأس التى جرعوه إياها من قبل عندما كانوا يتعاهدون مع بعض الأمراء المسلمين ضد أمراء مسلمين آخرين .

ولم يكن صلاح الدين ليرضى بأقل من الوحدة الإسلامية الشاملة ولذلك أسرع بالدعوة لعقد أول مؤتمر للوحدة الإسلامية لبحث كافة أحوال الأمة وحضرت بالفعل الوفود من مشارق الأرض ومغاربها لحضور ذلك المؤتمر الذى كان يهدف إلى نبذ الخلاف وإقامة الوحدة الشاملة من أجل الإقبال على المعركة الفاصلة التى يتم فيها استرداد بيت المقدس ولكن كان لسيف الدين غازى أمير الموصل رأيا آخرا إذ أنه لم يحضر ذلك المؤتمر واكتفى بإرسال من يمثله ومما زاد الطينة بلة أن مبعوث سيف الدين غازى أساء الأدب تجاه صلاح الدين الأيوبى وانفض المؤتمر دون انضمام الموصل إلى الوحدة القائمة بين الإمارات الأخرى .

وفى عام 581 هجرية أى بعد مضى عامين من انقضاء المؤتمر الإسلامى ورفض سيف الدين غازى الانضمام للوحدة الإسلامية مرض صلاح الدين مرضا شديدا واحتار الأطباء فى تشخيصه وعلاجه حتى أن الأخبار وصلت إلى الموصل ودمشق وحمص وحماة والقاهرة أن صلاح السلطان على مشارف الموت وأن الأطباء يإسوا من إمكانية علاج حالته ولأن الله سبحانه وتعالى هو وحده عالم الغيب والشهادة اعتقد الجميع أن اللحظات الباقية فى عمر صلاح الدين أصبحت معدودة وبناءا على هذا التصور الإنسانى القاصر أخذ المحيطون بسيف الدين غازى ينصحونه بالانصياع تحت لواء صلاح الدين الأيوبى قبل وفاته حتى إذا حضرته الوفاة حل سيف الدين محله سلطانا وحاكما واحدا كما كان حال صلاح الدين وبالفعل فإن أول لقاء جمع بين صلاح الدين وسيف الدين بعد سنين طويلة كان فى خيمة الأول وهو محاط بالأطباء اليائسين من علاجه ولم يقدم صلاح الدين على معاتبة سيف الدين على أى من أفعاله المستنكرة ولا حتى على موت أخو صلاح الدين على أطراف حلب بسيف من سيوف جيش سيف الدين غازى وأبرمت معاهدة بين صلاح الدين وسيف الدين قام على أثرها سيف الدين باخضاع قوات الموصل تحت إمرة السلطان والتعهد بإرسال المزيد من الإمدادات لصلاح الدين .

ويشاء السميع العليم أن يشفى صلاح الدين الأيوبى من مرضه بعد أيام قليلة من الإتفاق الذى وقعه معه سيف الدين غازى والذى يقضى بانضمام الموصل للوحدة الإسلامية تحت إمرة السلطان صلاح الدين الأيوبى .

وبذلك أصبحت القوى الإسلامية كلها موحدة وموجهة للمعركة الفاصلة التى ينتظرها العالم بأسره منذ أكثر من واحد وتسعين عاما وكان يقين صلاح الدين على الإنتصار يقينا راسخا ومستمرا وأصبحت المسألة بالنسبة له مسألة وقت لا غير ولكن هذا اليقين جاء بعد أن تخلص صلاح الدين من أسباب الإنهيار وعلى رأسها التفكك فجاءت الوحدة لتضئ طريق اليقين على الإنتصار وبالفعل فإذا نظرنا إلى الخمسين عاما الماضية نجد أن الإنتصار الوحيد على أعداء الإسلام لم يتحقق إلا بعد توحيد التنظيم و لتنفيذ لكل من الجيشين المصرى والسورى اللذان واجها العدو الصهيونى فى نفس الوقت على الجبهتين وعدها اجتاحت الفئة الباغية أراضى الإسلام فى مناطق عديدة وتفرقة والغريب أن المسلمين بعيدين فى وقتنا الحالى عن منهج الوحدة الذى سار عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بل أنهم نسوا قول الله تعالى : " واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا " ] آل عمران 3 : 103[ .

ونظرا للأهمية القصوى التى أولاها الإسلام للوحدة لم يترك رسول الله صلى الله عليه وسلم مناسبة إلا ونبه فيها على ضرورة التوحد فلننظر كيف يصف النبى الكريم علاقة المسلم بأخيه المسلم عندما قال : " ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى عضوا تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى " . متفق عليه .

وإذا أردنا أن يرتفع شأننا بين الأمم وأن نسترجع حقوقنا وأراضينا المغتصبة فلابد أن نراجع علاقاتنا مع أخوتنا فى الإسلام لنحدد إذا كانت تسير على النهج السليم أم أنها تحتاج إلى تقويم .

وإذا كان البعض يشير إلى تعدد المذاهب على أنه خلاف فى الدين فالأمر ليس كذلك بالمرة لأن أئمة المذاهب الأربعة أثبتوا كافة أركان الإسلام وقواعده وإنما كان لبعضهم الأرآء الفقهية المختلفة التى تؤدى فى النهاية إلى توسيع المدارك والدليل على ذلك أن الإمام الشافعي يقول : " رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب" وتعد تلك المقولة دعوة لسعة الصدر والاستعداد لقبول الرأى الآخر وعلى سبيل المثال لم يكن الإمام الشافعى مواظبا على سنة القنوط فى الصلاة وإنما كان يؤديها أحيانا فقط اتباعا لحرص رسول الله صلى الله عليه وسلم على عدم وقوع العامة فى خلط الفرض بالنفل ومثال آخر ضربه الإمام أحمد بن حنبل إذ أنه كان يرى وجوب إعادة الوضوء إذا خرج قدر معين من الدم من جسم الإنسان وذات يوم كان الإمام يقوم بزيارة لشخص يتبع مذهبا آخرا يبيح الصلاة فى حالة الحجامة دون إعادة الوضوء فلما أثير هذا الموضوع اتبع الإمام بن حنبل الرأى الآخر وقال : " مالى لا أقتضى بمالك وسعيد بن المسيب " .

وهكذا يتضح أن هؤلاء الأشخاص كانت لديهم سعة صدر أتاحت لهم تقبل الرأى الآخر وما لنا لا نحاكيهم فى التمسك بالأصول والتغاضى فى الفروع طالما يكون ذلك فى إطار الشرع ؟ والمتأمل فى حال أمتنا فى وقتنا الحالى يجد أنها تستنزف فى ثرواتها الطبيعية ويساء استغلال إمكانياتها البشرية و للأسف نحن غارقون فى الإختلافات السياسية .

وتحضرنا قصة الأب الذى وقف أمام أبنائه وبيده حزمة من الحطب جمعها سويا وطلب من كل من أبنائه أن يكسر الحزمة فلم يستطع أى منهم فعل ذلك ولكن عندما فرق بين العيدان كان من السهل تحطيم الحطب وهكذا الحال بالنسبة لنا .

ولنأخذ العبرة من إحدى أسفار رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما أخذ بعض الصحابة برخصة الإفطار بينما فضل البعض الآخر الصيام وحدث ذلك دون أن يعيب أحد الفريقين على الآخر سلوكه وذلك فى حضرة النبى صلى الله عليه وسلم والسبب فى ذلك يرجع إلى أن هؤلاء الصحابة الكرام كانت عقولهم وقلوبهم مرتبطة بالله جل علاه وكانوا يتمسكون بالمحكم من الآيات ويتركون المتشابهات .

ومن أجل ذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم محدثا السيدة عائشة رضى الله عنها : " لولا أن قومك حديث عهد بجاهلية لَأَمرت بِالبَيْتِ فَهُدِمَ فَأَدْخَلْتُ فِيهِ مَا أُخْرِجَ مِنْهُ وَأَلْزَقْتُهُ بِالْأَرْضِ وَجَعَلْتُ لَهُ بَابَيْنِ بَابًا شَرْقِيًّا وَبَابًا غَرْبِيًّا فَبَلَغْتُ بِهِ أَسَاسَ إِبْرَاهِيمَ " رواه البخاري ، فلنتأمل موقف النبى صلى الله عليه وسلم الذى يميل إلى تقدير ظروف الآخرين قبل أن يقدم على إحداث تغيير فالنبى يرى أن يكون حجر إسماعيل داخل جدران الكعبة وبالتالى فهو يفكر فى هدم الجدران الأربعة وبناء خمسة بدلا منهم ليحيطوا بحجر إسماعيل ولكنه يخشى ألا يتفهم المسلمون من أهل قريش غرضه من هذا التعديل فيتراجع عنه لمصلحة الجماعة .

وإذا كان نبذ الخلاف يبدو ذو أهمية قصوى فذلك لما يتبعه من ترسيخ لوحدة المسلمين فى سبيل الدعوة إلى الله عز وجل وبتطبيق ذلك على مجريات الأحداث فى ذلك الوقت من عصر صلاح الدين الأيوبى نجده حريصا على ضم إمارة الموصل إلى الشام ومصر ولكن غرضه لم يكن عسكريا بالمقام الأول فمهما كان حجم قوات تلك الإمارة فهى لا تقارن بالقوى المتعددة التى تنتمى لجيش الشام ومصر وإنما كان غرضه توحيد كلمة المسلمين قبل خوض معركة "حطين" حتى يقبل على هذه المعركة دون أن يكون هناك مجال للفرقة فتقع الهزيمة .

وبناءا على ما سبق فلابد وأن يكون فى ذهن المسلم أننا لن نستطيع أن نسترجع فلسطين أو العراق أو أفغانستان أو غيرها من بلاد المسلمين ونحن على هذه الحال من الفرقة وإذا كانت أوروبا قد كونت اتحادا فى منتهى القوة السياسية والإقتصادية والعسكرية فلم لا نعود إلى وحدتنا الإسلامية لاسيما أن أمتنا بها كل مقدرات الانتصار؟ فلقد حبانا الله سبحانه وتعالى بتكامل مميز فعلى سبيل المثال لا الحصر تزخر كل من مصر وإندونسيا وبنجالادش بالأيدى العاملة المدربة ويتوفر المال ومصادر الطاقة فى شبه الجزيرة العربية والدليل على ذلك تواجد لدينا كميات كبيرة من اليورانيوم والسليكون الذى تصنع منه الشرائح المستخدمة فى الحاسب الآلى إذن فنحن أمة مكتملة الثروات ولكن خلافاتنا تحول بيننا وبين الإرتقاء إلى المستوى اللائق بخير أمة أخرجت للناس ولا يخفى على أي محلل ما نحن فيه من تدهور أن يتبين السبب الرئيسى فى ذلك ألا وهو البعد عن الدين بصفة عامة وعدم الإلتزام بالنصوص الإسلامية من قرآن وأحاديث شريفة ويقول الله عز وجل فى محكم آياته : " ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين " ] الأنفال 8 : 46[ .

وصدق الله العظيم إذ صرنا أمة بلا حول ولا قوة نتيجة للفرقة التى تمزقنا ولذلك كان الإهتمام الأولى المشترك لكل من عماد الدين زنكى ونور الدين محمود وصلاح الدين الأيوبى يكمن فى إتمام وحدة الأمة لتكون بمثابة السلاح الإستراتيجى الذى يضمن لنا عدم تمكن أعدائنا من إغتصاب أراضينا و الدليل على ذلك أن سقوط فلسطين ومن بعدها البوسنة والهرسك وأفغانستان والعراق تحت أيدى أعدائنا كان نتيجة لغياب هذا السلاح الإستراتيجى عنا و الجدير بالذكرأن صلاح الدين لم ينجح فى الوصول إلى الوحدة إلا بعد مضى سبعة عشر عاما من الكفاح والمعاناة و لذلك فلا ينبغى أن نفقد الشعور بكل ما بذل من جهد لتحقيق الوحدة .

و تعبر الأبيات الشعرية التالية عن أغلى الأمانى و مبعث السرور للأمة الإسلامية :

ما العيد إلا أن نعود لديننا حتى يعود نعيمنا المسلوب
ما العيد إلا أن نكون أمة فيها محمد لا سواه عميد
ما العيد إلا أن يرى قرآننا بين الأفاضل لوائه معقود

والعيد الحقيقى يأتى علينا يوم تتوحد كل الدول الإسلامية تحت ولاية واحدة وساعتها لن تجرؤ أية دولة أو حتى مجموعة دول على التعرض لنساء و أطفال وشيوخ المسلمين بالأذى ولقد أدرك الغرب خطورة توحد المسلمين حتى أن أرنولد توينبى أحد المفكرين الغربيين رأى أن السبيل إلى الانتصار على المسلمين يتأتى من إجبارهم على تحويل دولهم إلى دول علمانية ولذلك نرى أن الانتصار الإسلامى الذى حدث عام 1973 لم يتحقق إلا بعد أن شاركت الدول الإسلامية كلها فى المعركة كل منها على قدر طاقتها وبالأسلوب المتاح لها فها هى المملكة العربية السعودية توقف ضخ البترول عن الغرب وها هى ليبيا تفتح مطاراتها لتدريب الطائرات المصرية وها هما الجيشان المصرى والسورى ينسقان فيما بينهما ترتيبات المعركة إذن إذا أردنا أن نعيد فلسطين وبيت المقدس وأن تعود مرة أخرى الصلاة بالمسجد الأقصى فعلينا بالتحرك حتى تتحقق الوحدة فيما بيننا لتكون نقطة الإنطلاق نحو النهضة وتحرير الأرض وحماية العرض .

ولذلك فالمطلوب العمل والتحرك وفقا لفكر وحدة المسلمين على جميع المستويات إذن فليبدأ كل منا على المستوى الفردى بنبذ الخلاف بينه وبين الآخرين أو بتخفيفه بالقدر المستطاع مستلهما بأن الإختلاف الموضوعى يؤدى إلى إثراء الفكر وما أطيب أن يعم فيما بيننا فكر الوحدة ونبذ الخلاف فى إطار الأسرة والمدرسة والعمل وأماكن اللقاء الإجتماعى وفى المجتمع بصفة عامة بل وبين الدول بكل تأكيد فكم نتمنى أن يكون ما عرضناه فى هذا الجزء محرك قوى لأي رئيس دولة مختلف فى الرأى مع رئيس آخر حتى يؤدى ما بوسعه لنبذ هذا الخلاف .

هذا ملخص لأحد دروس الدكتور ياسر نصر

أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته