الخميس، 30 أكتوبر 2008

تكاثروا تكاثروا


لعله من اللافت للنظر أن الكثير من مراكز الحد من الإنجاب في البلاد الإسلامية تكون تحت الرعاية المادية والعلمية للدول الغربية، وفي مقدمتها أمريكا. وقد يتساءل بعض المسلمين: ما الدافع وراء هذه الشفقة الغربية على التضخم السكاني في بلاد المسلمين؟ ، وهل تتقطع قلوب الأمريكيين والأوربيين على المسلمين الذين يعانون من مشاكل في الصحة والتعليم والغذاء ، وغير ذلك نتيجة زيادة السكان ؟ وهل الأمريكان الذين يدفعون الأموال الطائلة لتقليل أعداد المسلمين ، غير الأمريكان الذين يحتلون العراق وأفغانستان ، ويساعدون اليهود في احتلال فلسطين؟! .
إنها أسئلة تدور في أذهان الناس ، وليس لها إلا إجابة واحدة وهي إن تقليل أعداد المسلمين يصبُّ في المصلحة العامة للغربيين بصفة عامَّة ، والأمريكان بصفة خاصَّة ! .
إنه ما من شك أن العدد قوة ، وأن البلد الأكثر سكانًا يُحسب له حسابٌ أكبر بكثير من البلد قليل السكان ، وقبل أن ينطلق المعترضون ويقولون أن الكيف أهم من الكم ، وأن الأعداد الكبيرة غير المؤهلة هي مجرد غثاء لا وزن له ؛ فقبل أن يقولوا هذا الكلام ، فإني أقول: إنني لا أعني أبدًا أن العدد الكثير مطلوب حتى بدون تأهيل ، ولكن ما أقصده هو التأهيل الجيد والمتميز للأعداد الكبيرة حتى تصبح هذه الأعداد إضافةً للبلد ، وليست إرهاقًا لها .
إن الحكومات المفسدة دأبت على تعليق مشاكلها وأخطائها وفسادها على شماعة التضخم السكاني ، ويخرج لنا وزير الصحة في أحد البلاد الإسلامية ويقول: إن تحديد طفلين لكل أسرة سوف يوفِّر للبلاد في غضون عشرين سنة مبلغ 35 مليار دولار في مجال الصحة والتعليم . وينسى المسئول الحكومي أن أضعاف هذا المبلغ تضيع على البلاد نتيجة الفساد الحكومي ، والاختلاسات والصفقات المشبوهة ، والعمولات الهائلة ، كما تضيع أضعاف هذا المبلغ في شراء ما لا ينبغي شراؤه ، بدءًا من الأمور الترفيهية والحفلات الساهرة ، وانتهاءً بصفقات السلاح الذي لا يعمل ، أو انتهت موضته ! ، ولا ننسى أن كميات هائلة من الأموال تضيع كذلك بسبب سوء الإدارة حتى إذا صلحت النوايا ، وبسبب سوء التخطيط حتى لو توفرت الأمانة ! .
الزيادة السكانية في العالم
إن مشكلتنا ليست في العدد أبدًا.. إن مشكلتنا في الفساد الذي حطم المنظومة التعليمية على سبيل المثال ، فما عادت تقوم بمعشار دورها. وانظروا إلى المدارس التي من المفترض أنها مكدسة بالتضخم السكاني ، فإذا بها خاوية على عروشها ، وقد هجرها مدرسوها وطلابها إلى مراكز الدروس الخصوصية ، وما ذكرناه في حق المنظومة التعليمية ينسحب على كل المؤسسات في بلاد العالم الإسلامي .
إننا نحتاج إلى العدد الكُفُؤ ليستصلح الأراضي البور الهائلة في بلاد المسلمين ، ونحتاج إلى العدد الكفؤ ليستخرج كنوز وخيرات الأرض هنا وهناك ، ونحتاج إلى العدد الكفؤ لتشغيل المصانع والشركات والمشروعات الإنتاجية ، ونحتاج إلى العدد الكفؤ الذي يعمل في البحار الهائلة التي يتمتع بها عالمنا الإسلامي ، ونحتاج إلى العدد الكفؤ الذي يتعلم ويبدع ويبتكر ويخترع ، ونحتاج إلى العدد الكفؤ الذي يدافع عن البلاد ، ويكوِّن جيشًا قويًّا قادرًا على ردِّ أطماع الغزاة .
إن العدد إذا كان مدربًا ومؤهلاً يصبح نعمةً كبيرة، يجب أن نحمد الله عليها ؛ لذلك يقول رسولنا صلى الله عليه وسلم: " تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ؛ فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الأُمَمَ " رواه أبو داود والنسائي .
ولا شك أن رسولنا صلى الله عليه وسلم لم يكن يقصد الأعداد الكبيرة التي لا وزن لها ولا قيمة ، ولكنه كان يقصد أن يضاعف المسلمون أعدادهم ، وفي نفس الوقت أن يرتفعوا بمستواهم ، ويرتقوا بأدائهم .
لقد عدَّ الله عز وجل الكثرة نعمة عندما قال في كتابه: "وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ" (الأعراف: 86). فلا مجال أن يتفلسف أحد ، وينسى كل المتغيرات ، ويتذكر ثابتًا واحدًا ، هو أن الكثرة تحتاج إلى طعام أكثر ، ومدارس أكبر ، وهكذا.....
أيها المغرضون الذين يريدون إضعاف المسلمين ، راجعوا تعداد السكان في الدول المتقدمة عالميًّا : أمريكا ( 303.9 مليوناً ) ، الصين (1.331 مليار ) ، اليابان ( 127مليونًا ) ، ألمانيا ( 82.7 مليونًا ) ، فرنسا ( 60.9 مليونًا ) ، إنجلترا ( 60 مليونًا ) .
ونتساءل: هل أضعفت الأعداد الكبيرة هذه البلاد أم أن هذه الأعداد تحولت إلى قوة إنتاجية تدفع البلاد إلى الأمام ؟ .
ونتساءل أيضًا: لماذا تشجِّع الحكومات في فرنسا وألمانيا المواطنين على كثرة الإنجاب ؟ ونتساءل كذلك: لماذا يفتح الأمريكان باب الهجرة لأبناء العالم من كل مكان ليذهبوا إلى أمريكا ، بل ويحملوا الجنسية الأمريكية ؟ ولماذا يعطون الجنسية الأمريكية لمن وُلد على أرضهم ؟! .
أيها المسلمون، أنا لا أدعوكم إلى الكثرة المجردة ، ولكن أدعوكم إلى كثرة في العدد مصحوبة بحسن تربية ، ودقة تعليم ، وإتقان توجيه ، ونية صالحة تهدف إلى إعلاء كلمة الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها . وأختم بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: " مَا مِنَ الأَنْبِيَاءِ نَبِيٌّ إِلاَّ أُعْطِيَ مَا مِثْلهُ آمَنَ عَلَيْهِ الْبَشَرُ ، وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُ وَحْيًا أَوْحَاهُ اللَّهُ إِلَيَّ ، فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ " متفق عليه .
وأسأل الله عز وجل أن يعز الإسلام والمسلمين.

هذه مقالة للدكتور راغب السرجاني

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إتحفني برأيك