الخميس، 30 أكتوبر 2008

نهاية قصة صلاح الدين

إن من فضل الله تبارك وتعالى علينا أن جعل دعاء المؤمن له موجب للإستجابة فما أحوج أن يتوجه كل منا إلى الله عز وجل بالدعاء فى ظل هذا القدر الكبير من الهموم والمشاكل التى تثقل كاهل الفرد والأمة ولذا وجب علينا الحرص على دوام علاقتنا ببارئنا واللجوء إليه فى كل وقت ومكان ولن يجد الإنسان ما يطمئن قلبه ويغشيه بالسكينة والرحمة أفضل من التضرع إلى الله العلى القدير القائل فى محكم آياته : " إنهم كانوا يسارعون فى الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا " ] الأنبياء 21 : 90 [ .

إذا كان هذا الجزء مخصصا للحديث على ختام سيرة صلاح الدين الأيوبى فهى بلا شك مرتبطة ببدايتها والأهم من ذلك أن خواتيم أعمال الإنسان تشير إلى مدى علاقته بالله سبحانه وتعالى ولقد عانى صلاح الدين كثيرا طيلة العامين اللذين فرض فيهما الحصار على عكا وطال الحصار وبدأ سقوط عكا على وشك الحدوث رغم أن صلاح الدين فعل كل ما بإمكانه حتى لا تقع عكا تحت أيدى الصليبيين وحتى يشهد الله له بوقفته هذه يوم القيامة وكان القاضى الفاضل قد بعث إلى صلاح الدين برسالة يشرح له فيها أسباب طول الحصار المفروض على عكا إذ يقول : " إن سبب هذا التطويل فى الحصار هو كثرة الذنوب وإرتكاب المعاصى بين الناس فإن الله لا ينال ما عنده إلا بطاعته ولا يفرج الشدائد إلا بالرجوع إليه والإمتثال لأمره وكيف لا يطول الحصار والمعاصى فى كل مكان فاشية ؟ و قد صعد إلى الله منها ما يتوقع بعده الاستعاذة منها " .

وكما جاء بالرسالة فإن الأمر المفروغ منه هو أن أحوال الفرد والأمة من سعادة أو شقاء مرتبطة إرتباطا وثيقا بتحرى تقوى الله سبحانه وتعالى أو البعد عنه والعياذ بالله وإذا كثرت المعاصى حل غضب الله كما حدث أيام حصار الصليبيين لعكا لمدة سنتين وقد كتب القاضى الفاضل فى مذكراته الجمل التالية : " إن ما أوتينا من قبل أنفسنا ولو صدقنا الله لعجّل الله عواقب صدقنا ولو أطعناه لما عاقبنا بعدونا ولو فعلنا ما نقدر عليه من أمره لفعل لنا ما لا نقدر عليه إلا به فلا يختصم أحدا إلا نفسه وعمله ولا يرجو إلا ربه " وفى الواقع فإن تلك الكلمات توضح جليا أنه لا صلاح للأمة إلا بصلاح أنفسنا .
ورغم ما قام به صلاح الدين من جهد سقطت عكا فى أيدى الصليبيين ويروى القاضى الفاضل أن حزن صلاح الدين لسقوط ذلك الميناء أدى به إلى الإمتناع عن الطعام لعدة أيام مما إضطر القاضى الفاضل إلى مخاطبته قائلا : " ألا ترى أيها الأمير أن الله تبارك وتعالى قد إختارك من دون عباده المتقدمين والمتأخرين ، إختارك من بين أفراد قريبين من سلالة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إختارك ولم تكن من سلالة ملك من الملوك ولقد خصك الله تعالى بالإنتصار العظيم يوم حطين وفتح بيت المقدس وإعادة الصلاة إلى المسجد الأقصى " وأعقب كلامه السابق ببيت شعر قال فيه :

لست بملك هازم نظرائه إنك بالإسلام للشرك هازم

وفى الواقع لن يبزغ فجر الأمة إلا برجال على شاكلة صلاح الدين يعمدون إلى إنارة الدنيا بأسرها بأفعالهم وأقوالهم واضطر صلاح الدين الإنسحاب إلى الحصون الساحلية ولكن تلك الحصون بدأت تتساقط الواحد بعد الآخر حتى سقطت عسقلان التى كان يعتبرها صلاح الدين الباب البحرى لبيت المقدس وبكى صلاح الدين بكاءا شديدا وكأنه قد فقد ولدا من أولاده وليسأل كل منا نفسه إذا كان حزنه بسبب قضية الأمة مثل حزن صلاح الدين أم أنه بسبب مشكلة شخصية ؟ وعلى سبيل المثال لقد أثارنا جميعا موت الطفل الفلسطينى محمد الدرّة ولكن حزننا ما لبث أن تولى وبقى الواقع على ماهو عليه .

ولذلك لم يكن غريبا أن تقترب السفن الإنجليزية والفرنسية من بيت المقدس ومما زاد الأمر سوءا أن الأخبار وصلت بقرب مجئ القوات الألمانية بقيادة فردريك باربا روسا من شمال الشام والله سبحانه وتعالى بالمؤمنين رؤوف رحيم ورغم أن إجابة الدعاء قد تتأخر بسبب معاصى أو إبتلاءات ولكن الله لا يتخلى عن عباده المخلصين مثل صلاح الدين وبالفعل ظل القائد الورع يدعو ربه بالفرج طوال الليل وما كانت إلا أيام قليلة حتى حملت الأخبار نبأ غرق القائد الألمانى فريدريك باربا روسا فى أحد الأنهار وقد أعقب ذلك مواجهات عسكرية بين الجيش الألمانى والجيش البيزنطى أفضت إلى دحر الألمان حتى أنه لم ينج منهم سوى ألف مقاتل إنضموا إلى الأسطول الإنجليزى وإن دلت تلك الوقائع على أمر فإنما تدل على أن الله العلى القدير لا يخلف وعده بنصرة المؤمنين من أمثال صلاح الدين إذ يقول فى كتابه الكريم : " فاصبر إن وعد الله حق " ]الروم 30 :60 [ .

واضطر صلاح الدين إلى الإنسحاب إلى بيت المقدس حيث ينتظر أن تقع المعركة الفاصلة وكانت أسوار المدينة بحاجة إلى تعلية ولا تستغربن عند العلم بأن صلاح الدين كان يحمل أقفاص التراب فوق كتفيه والصخر على رأسه مثله مثل العامة وذلك لأن هدفه من الدنيا كان التحصل على مرضاة الله عز وجل ولم يكن أبدا لعرض زائل ولما كانت الأمور العسكرية متداخلة عقد صلاح الدين مجلسا للحرب ومثلما حدث أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تواجدت فئة المنتفعين من أمثال عبد الله بن أبى بن سلول الذى ترك النبى الكريم وسط المعركة يوم أحد وانصرف مع ثلثمائة من الجند وكانت هذه الفئة ممثلة أيام صلاح الدين أيضا وللأسف فإن بعض الأمراء المسلمين تشككوا فى إمكانية تحقيق النصر على القوات الإنجليزية بقيادة ريتشارد قلب الأسد والقوات الفرنسية بقيادة فيليب أغسطس حتى أنهم رأوا وجوب الإستسلام للإرادة الصليبية وكان موقفهم هذا مثالا تنطبق عليه الآية الكريمة : " وإذ يقول المنافقون والذين فى قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا " ]الأحزاب 33 :12 [.

وفى المقابل فقد ثبت الله عز وجل المخلصين من عباده مثل سيف الدين المشطوب وهو المسئول الذى قبع فى عكا طوال فترة حصارها وقد طلب هذا الرجل بشدة من صلاح الدين عدم الإستسلام للصليبيين وبالفعل إتخذ صلاح الدين قراره بالدفاع عن بيت المقدس بكل ما أوتى من قوة وما أشبه الأمس باليوم عندما صمد أبناء قرية جنين الفلسطينية داخل كيلو متر مربع واحد ولم يستطع الصهاينة دخول هذه القرية إلا على جثث شهداءها ولم يكن صمود سيف الدين المشطوب ولا أهل قرية جنين إلا تصديقا للآية الكريمة : " ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله " ] الاحزاب 33 : 22 [ .

ولكن ماذا كان موقف أمة الإسلام ؟ ألم يحن الأوان لأمتنا أن تستيقظ من غفوتها ؟ ألم يحن الوقت بعد لتنشأة جيل يستطيع إعادة العزة إلينا ؟ هذه الأسئلة موجهة للأب المسئول عن أسرته وللأم المسئولة عن تربية أبنائها ولكافة المربين فإن أمة الإسلام تنادى فهل من مستجيب ؟ .

وفى ليلة جمعة رأى القاضى الفاضل صلاح الدين مهموما للأمة فنصحه بالتضرع لله تعالى فى ليلة اليوم المبارك عند الله جل شأنه فما يرفع البلاء إلا الذى فرضه وكعادته فى اللجوء إلى بارئه أمضى صلاح الدين الليلة كلها بين دعاء ورجاء أن ياتى الله عز وجل بالفرج من عنده .

ولقد تشاور صلاح الدين مع قواده فقال لهم ( الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله: اعلموا أنكم جند الاسلام اليوم ومنعته وأنتم تعلمون أن دماء المسلمين وأموالهم وذراريهم في ذممكم معلقة والله عز وجل سائلكم يوم القيامة عنهم وأن هذا العدو ليس له من المسلمين من يلقاه عن العباد والبلاد غيركم فإن وليتم والعياذ بالله طوى البلاد وأهلك العباد وأخذ الاموال والاطفال والنساء وعبد الصليب في المساجد وعزل القرآن منها والصلاة وكان ذلك كله في ذممكم فإنكم أنتم الذين تصديتهم لهذا كله وأكلتم بيت مال المسلمين لتدفعوا عنهم عدوهم وتنصروا ضعيفهم فالمسلمون في سائر البلاد متعلقون بكم والسلام ) وكان مما أجابه به قواده أنهم سيكونون معه وسيحاربون معه ففرح بهذا فرحا شديدا .

ولقد حاصر الفرنج القدس ولكن صلاح الدين كان قد ردم الآبار التي حول مدينة القدس فاختلف الفرنج فيما بينهم أينسحبوا أم يبقوا فاستقر أمرهم على الانسحاب وتمت صولات وجولات بين صلاح الدين والفرنج ولم يمض إسبوعا حتى رحل الأسطول الفرنسى وفاوض صلاح الدين ريتشارد منفردا على أن تبقى عكا فى يد ملك إنجلترا وأن يكون هناك طريقا آمنا للحجيج من النصارى إلى بيت المقدس وأن يحج النصارى إلى كنيسة القمامة وهذا كان اسمها وفى المقابل يبقى بيت المقدس تحت سيطرة المسلمين وانسحب ريتشارد بقواته إلى إنجلترا وبقى صلاح الدين فى الشام .

وفى ذلك العام أراد صلاح الدين أن يؤدى فريضة الحج ونصحه المحيطين به إرجاء غيابه عن الشام إلى العام التالى حتى تستتب الأوضاع بعد المعارك الطاحنة التى خاضتها الأمة عند مقدم الحملة الصليبية الثالثة إلى الشرق ولم يكن أحد يعلم أن شهر صفر لعام 589 هجرية سيشهد رحيل صلاح الدين الأيوبى من الحياة الدنيا وسيشهد نهاية قصة كفاح طويلة خاضها الشاب البسيط الذى بدأ طريق الإلتزام وتعلمه من أبيه ومن عمه ومن معلمه نور الدين محمود ومن غيرهم ستنتهى سيرة الورع والصلاح والعدل والجهاد والتضحية ستنتهى سيرة المخبت لربه الساجد الراكع الباكى المتضرع كثير الصلاة كثير الصيام ستنتهى سيرة البطل الذى ظل على ظهر جواده أكثر من سبع وعشرين عاما كان همه فيها نشر الإسلام ستنتهى سيرة صلاح الدين الأيوبى ليس ذكرا وإنما أحداثا فذلك الرجل الذى لم يضحك يوما وعندما سئل " لم لا تضحك " أجاب قائلا : " كيف أضحك وديار الإسلام فى أيدى الصليبيين ؟ " ستنتهى حياة صلاح الدين الأيوبى صاحب التقوى والخوف من رب العالمين ستنتهى حياة الرجل المتسامح والمنفق ، ستنتهى قصة من أعظم القصص التى سطّرها التاريخ .

وفى أوائل شهر صفر سنة 589 مرض صلاح الدين مرضا شديدا وبدأ للناس قرب أجله حتى أن الرعية من المشرق والمغرب تجمعوا فى دمشق وجاءت إمرأة بسيطة من الحجاز عندما علمت بمرض صلاح الدين ووقفت على بابه وهى تقول للقاضى شداد : " والله الذى لا إله إلا هو فأن يختار رب العالمين ولدا من أولادى الساعة لأحب إلي من أن يموت صلاح الدين " .

فى ذات يوم جلس الأفضل بن صلاح الدين على كرسى أبيه فبكى الجميع وتأثروا لغياب تلك الشخصية وذلك الحضور وذلك الجهاد وأذكر قول الشاعر :

ولكن إذا حم القضاء على إمرئ فليس له بر يقيه ولا بحر

الموت قادم يا عباد الله ، الموت أقرب إلى المؤمن من شراك نعله ولا يسلم أحدنا أن يأتيه الموت واقفا أو جالسا نائما أو مستيقظا فماذا أعددنا لملاقاة رب العالمين ؟ لقد أعد صلاح الدين جهادا وتضحية وفتحا أعاد المسجد الأقصى من جديد وأعاد الصلاة إليه فهل هناك منا من يشعر برغبة داخله فى أن يكون صلاحا جديدا لأمتنا ؟ هذا السؤال إنما أوجهه إلى الآباء والأمهات والشباب والفتيات القائمين على التربية فى هذه الأمة فنحن فى إحتياج حقيقى لمثل هذه الشخصية المفعمة بتحرى تقوى الله جل ّ علاه .

يقول أبو يوسف : " فكنت أقرأ عليه آيات حتى إذا ما جاء قوله تعالى : " هو الله الذى لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم " ]الحشر 59 :22 [ .

وكان صلاح الدين فى سكرات الموت أفاق من سكرته وهو يقول : " أجل أجل صحيح صحيح " ولما جاء قوله تعالى : " قل هو ربي لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه متاب " ]الرعد 13 : 30[ .

دمعت عينى صلاح الدين ثم ابتسم وابيض وجهه ونطق الشهادة وقال : " بسم الله وفى سبيل الله أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله " .

وقبل الختام أقرأ عليكم أبيات من الشعر قيلت فى صلاح الدين :

جند السماء لهذا الملك أعوان***من شك فيه فهذا الفتح برهان
هذه الفتوح فتوح الأنبياء***وماله سوى الشكر بالأفعال أثمان
أضحى ملوك الفرنج الصيد فى يده صيدا***وما ضعفوا يوما وما هانوا
تسعون عاما بلاد الله تصرخ***والاسلام أنصاره صم وعميان
فالآن لبى صلاح الدين دعوته***بأمر من هو للمعوان معوان
للناصر ادخرت هذه الفتوح***وما سمت لها همم ملوك قد كانوا
إذا طوى الله ديوان العباد***فما يطوى لأجر صلاح الدين ديوان

انتهت السيرة ولكن الذكرى تبقى انتهت القصة ولكن الأثر يبقى وفى ختام هذه السلسلة لا يسعنى إلا أن أقول أن الهدف الرئيسى منها هو أن يكون القارئ صلاح الدين وأن لا يخذل الإسلام .

أستودع الله دينكم وأماناتكم وخواتيم أعمالكم وأستودع الله نفوسكم بصلاحها وقلوبكم بخشوعها وأستودع الله ذاكرة التاريخ التى أسأل الله أن تبقى فى عقولكم وقلوبكم والسلام عليكم و رحمة الله و بركاته .

هذا تلخيص لأحد دروس الدكتور ياسر نصر

أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إتحفني برأيك