الخميس، 30 أكتوبر 2008

كوسوفو ( 3 )


ذكرنا في المقال السابق أن التدخل العسكري الأمريكي الأوربي في كوسوفا كان لمنع قيام دولة مسلمة حرة في أوربا على غرار ما نفَّذته الولايات المتحدة في البوسنة، بالإضافة إلى ذلك كان إضعاف الحليف الرئيسي لروسيا في منطقة البلقان، والقضاء على آخر رمز لقوة الروس في أوربا من الأهداف الرئيسية أيضًا؛ إذ إن هذه الضربات لم تكن بالقوة التي تقضي على الصرب، وإنما وضعت قدمًا لأمريكا وحلف شمال الأطلنطي في كوسوفا؛ لكي تتحكم منه في دفَّة الأمور، وهو ما تحقق بالضربات الجوية من حلف الناتو لصربيا في مارس 1999م إلى أن دخلت القوات البرية لحلف الناتو إقليم كوسوفو في 9 من يونيو 1999م، لتبدأ مرحلة جديدة في تاريخ كوسوفا لا يكون الحكم فيها للطرف الصربي أو للجانب الألباني، وإنما لإدارة مدنية دولية مؤقتة تابعة للأمم المتحدة.

كان الحال ينذر بتفجر الأوضاع مرة أخرى، وهذا ما حدث؛ إذ حدثت صدامات عنيفة بين الألبان والصرب في كوسوفا عام 2003م.

وبناءً على ذلك قامت الولايات المتحدة ومجلس الأمن برعاية مفاوضات الوضع النهائي في كوسوفو التي بدأت في 2005م، ولكن تلك المفاوضات لم تصل إلى شيء؛ لأن صربيا عرضت الحكم الذاتي الموسع لإقليم كوسوفا في حين أصرَّ الألبان على الاستقلال التام.

وبدأت المفاوضات الأخيرة جولة بعد جولة دون نتيجة، وأصبح الخلاف روسيًّا غربيًّا، غطاءً للنزاع الصربي الكوسوفاوي.

في 17 من نوفمبر 2007م جرت الانتخابات العامة في كوسوفا على مستوى الرئاسة والبرلمان؛ وفاز بالرئاسة فلاديمير سيديو، وفاز بالأغلبية البرلمانية الحزب الديمقراطي لكوسوفا برئاسة هاشم تقي، ويبلغ تقي من العمر 39 سنة، وقد شهد في حياته الكثير من التقلبات، فهو ينحدر من عائلة شديدة التمسك بقوميتها الألبانية، ومن منطقة درينيتشا الوعرة جغرافيًّا، وحاصل على دبلوم في الفلسفة والتاريخ من جامعة بريشتينا.

هاشم تقي

ومنذ عام 1993م، لجأ تقي إلى سويسرا كالكثيرين من أبناء بلده، لكن لم يطِـب به المقام، فعاد إلى كوسوفو لتعبِـئة الشباب وتدريبهم على حمل السلاح، فكانوا نواة لما أصبح يُـسمَّى بعد ذلك بجيش تحرير كوسوفو (UCK)، ومنذ ذلك الحين دخلت كوسوفو مرحلة تاريخية جديدة، وأصبح هاشم تقي المطلوب الأوَّل للسلطات الصربية.

وبعد التدخل الدولي في كوسوفو وانطلاق المفاوضات حول الوضع القانوني للمنطقة، اختِـير هاشم تقي لقيادة الوفد الألباني لمفاوضات رامبووي، وكان عندئذٍ وزيرًا أولاً بالحكومة الانتقالية بكوسوفو.

ويقول تقي المعروف بدهائِـه السياسي: "حتى لو بقينا نتفاوض مائة عام، لن نتوصل إلى اتفاق مع الحكومة الصربية"، وقد كشف تقي خلال السنوات الأخيرة على قُـدرة فائقة من التعامل مع المتغيِّـرات، وتحوّل بسرعة من زعيم للمقاومين إلى رجل دولة، هدفه تحقيق السلام والاستقرار والتنمية في منطقة 60% من سكانها عاطلين عن العمل.

ومع حلول 10/12/2007م موعد تقديم تقرير عن إخفاق المفاوضات إلى الأمم المتحدة مجدَّدًا، بات الاحتمال كبيرًا أن يتم إعلان استقلال كوسوفا من جانب واحد، مع وعود - غير مضمونة - أن يجد اعترافًا غربيًّا، مقابل الرفض الصربي والروسي.

وبالفعل أوصى التقرير الذي أعدَّه مبعوث الأمم المتحدة الخاص إلى إقليم كوسوفو، باستقلال منظم للإقليم عن صربيا يدعمه لفترة أولية وجود دولي مدني وعسكري؛ ففي تقرير موجَّه إلى مجلس الأمن، والأمين العام للأمم المتحدة (بان كي مون)، قال المبعوث الأممي الخاص مارتي أهتيساري: "الاستقلال هو الخيار العملي الوحيد من أجل أن تكون كوسوفو مستقرة سياسيًّا، وتتوفر لها مقومات الاستمرار اقتصاديًّا". وأضاف - حسب الرغبة الأمريكية بالكامل -: "استقلال كوسوفو عن صربيا يجب أن يكون منظمًا، ويدعمه لفترة أولية وجود دولي مدني وعسكري".

وأوصت الخطة الأممية بأن يُمنَح الإقليم حق الالتحاق بالمنظمات الدولية، ويكون له رموز السيادة من جيش ودستور وعلم ونشيد، لكن مع حكم ذاتي موسع للأقلية الصربية المقدرة بنحو 100 ألف.

وقد وضع الاتحاد الأوربي الخطة قيد التنفيذ بأقصى سرعة، ووصل الاتفاق بين مندوبي الاتحاد الأوربي في بروكسل على صياغة قرار إرسال بعثة خبراء (1800) أوروبيين إلى كوسوفا، للمساعدة في تكوين الأجهزة الإدارية والقضائية والأمنية خلال الفترة التالية للاستقلال، وهو قرار اتُّخِذ بالإجماع مع امتناع المندوب القبرصي عن التصويت، وكانت قبرص آخر الدول المعارضة على هذا الصعيد.

لقد قررت أمريكا والاتحاد الأوربي أن يكون استقلال كوسوفا تحت رعايتها، وليس استقلالاً كاملاً يحكم فيه المسلمون الكوسوفيون أنفسهم.

وبالفعل أعلن هاشم تقي استقلال كوسوفا عن صربيا في 17 من فبراير 2008م. في هذه الأثناء بدأت الحكومة الصربية استعداداتها الرسمية لفرض حصار على كوسوفا على غرار حصار غزة، يشمل مثلاً قطع الكهرباء وإغلاق الحدود، وإن كان من المستحيل أن يصل إلى مستوى ما يعانيه قطاع غزة؛ نتيجة استمرار الوجود الغربي في كوسوفا.

وقد قامت الولايات المتحدة والاتحاد الأوربي بالاعتراف باستقلال كوسوفا مباشرة، وحتى الآن اعترفت ما يزيد على 30 دولة باستقلال كوسوفا، غالبيتها من أعضاء الاتحاد الأوربي، ورفضت الاعتراف روسيا وصربيا بالطبع، ومعهما عدد من دول أوربا الشرقية، كبلغاريا وقبرص واليونان كذلك.

وفي مفاجأةٍ غريبة لم تعترف باستقلال كوسوفا أية دولة عربية، فيما اعترفت بها خمس دول فقط من 57 دولة أعضاء في منظمة المؤتمر الإسلامي، وهي أفغانستان والسنغال وألبانيا وماليزيا، بينما كانت تركيا من أسرع الدول في الاعتراف بها.
لقد رفض العديد من الدول العربية والإسلامية الكبرى الاعتراف باستقلال كوسوفا؛ فمصر عبَّرت عن رفضها، وأنها كانت ترى حصول كوسوفا على حكم ذاتي فقط، وإندونيسيا رفضت الاعتراف كذلك.

يحدث ذلك بينما يرنو مسلمو كوسوفا إلى العالم الإسلامي والعربي بنظرة أمل في الاعتراف والتعاون، فهم يريدون أن تبادر الدول الإسلامية للاعتراف بدولتهم، وقد طالب رئيس الأئمة بالمشيخة الإسلامية بكوسوفو صبري بايجوري العالم الإسلامي بالاعتراف العاجل والسريع بدولتهم الناشئة التي تتمتع بأغلبية مسلمة تصل نسبتها إلى 96% من تعداد السكان البالغ نحو مليونين ونصف المليون نسمة، وقال: "نحن في حاجة عاجلة إلى الدعم السياسي أولاً للحفاظ على الاستقلال وتثبيت الدولة، ثم الدعم الاقتصادي ثانيًا للنهوض بهذه الدولة في كافة المجالات".

فما السبب يا تُرى في رفض الدول الإسلامية الاعتراف باستقلال كوسوفا؟

ولماذا رفضت الاعتراف أيضًا بلغاريا وقبرص واليونان؟

ولماذا كانت تركيا من أولى الدول التي سارعت للاعتراف بالاستقلال؟

الإجابة على هذه الأسئلة ستكون إن شاء الله محور حديثنا في المقال القادم. نسأل الله عز وجل أن يعز الإسلام والمسلمين.

هذه مقالة للدكتور راغب السرجاني

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إتحفني برأيك