الخميس، 30 أكتوبر 2008

أزمة المشروع الصهيوني



قبل أكثر من نصف قرن وتحديدًا سنة 1956 كان بن غوريون أحد أهم رجالات الحركة الصهيونية، وأبرز من لعب دورًا في إنشاء "إسرائيل" وأول رئيس لوزرائها، يتحدث إلى ناحوم غولدمان رئيس المنظمة الصهيونية العالمية (1956 – 1968)، قائلاً إن "الدولة اليهودية ستستمر في العشر أو الخمس عشرة سنة القادمة، ولكن احتمالات وجودها بعد ذلك هي 50%".

الزعيم الصهيوني الكبير ناحوم غولدمان لم تفته مقولة بن غوريون وهو يكتب مقالته التي نشرها في مجلة "الفورين أفيرز" سنة 1975، إذ نبه غولدمان إلى أنه "لا يوجد لإسرائيل مستقبل على المدى الطويل دون تسوية سلمية مع العرب"، واعترف بأن "مطالبة الصهاينة بدولة يهودية، كانت تتعارض بشكل تام مع كل مبادئ القانون الدولي والتاريخ الحديث".
ويحاول هذا المقال تسليط الضوء على أزمة المشروع الصهيوني في الذكرى الستين لإنشاء الكيان الإسرائيلي التي تمر هذه الأيام، غير أنه من الضروري التنبه إلى ما يعانيه الوضع الفلسطيني والعربي والإسلامي من أزمات ليست محط تركيزنا في هذا المقال.
تكمن أزمة المشروع الصهيوني في أن الكيان الإسرائيلي الذي أنشأه هو كيان "غير طبيعي"، فهو كيان يمثل آخر بقايا الاستعمار الأوروبي التقليدي، وهو كيان قائم على الغصب والظلم، على هجرة جماعات يهودية من نحو 90 بلدًا، لتحل محل شعب يسكن أرضه منذ نحو 4500 عام، وهو كيان عنصري قائم على تفضيل فئة معينة وأتباع دين معيّن، دونما اعتبار لحقوق الآخرين.
والكيانات العنصرية القائمة على سلب حقوق الآخرين، تحمل بذور فنائها في ذاتها، لأنها تسير عكس حركة التاريخ والتطور، وعكس سنن الله في الكون، وتظل مسألة بقائها مسألة زمن، ومسألة مرتبطة بقيام أصحاب الحق في الأرض بواجبهم تجاه استرجاع حقوقهم.
وحتى يضمن هذا المشروع بقاءه فأمامه أحد احتمالين، الأول أن يتحول من كيان غير طبيعي إلى كيان طبيعي في المنطقة، بحيث تلغى الصورة الشائعة عنه باعتباره "سرطانًا" في جسد الأمة العربية والإسلامية.
غير أن هذا لا يمكن أن يتم إلا إذا حلّ أزمته في وجود إيمان عميق لدى الفلسطينيين والعرب والمسلمين بأنه كيان "غير شرعي". وصكّ الشرعية لا يمكن الحصول عليه من خلال موازين القوة، ولا حتى القرارات الدولية؛ لأن أصحاب الأرض هم الجهة الوحيدة التي تملك حق التصرف فيها.
هل يمكن مثلاً للكيان الإسرائيلي الوصول إلى تسوية نهائية مقنعة للشعب الفلسطيني في الداخل والخارج؟ ما من شك في أنه لا يلوح في الأفق حلّ يضمن عودة اللاجئين الفلسطينيين، ولا إقامة دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة كاملة على أرضها. ولا يزال الحد الأعلى الذي يقدمه أكثر الإسرائيليين "اعتدالاً"، بعيداً عن الحد الأدنى الذي يقبله أكثر الفلسطينيين تهافتًا على مشروع التسوية.
وتجد قيادة منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الفلسطينية نفسها حاليا في وضع مهترئ، لا يمكنها من التحدث باسم جميع الفلسطينيين. وحتى لو توصلت إلى تسوية منقوصة، فليس بإمكانها فرضها على باقي الفلسطينيين.
وعلى الرغم من استعداد الأنظمة الرسمية العربية والإسلامية للسير في مشروع التسوية، فإن الأغلبية الساحقة من الشعوب العربية الإسلامية وخصوصًا في الدول المحيطة، لا تزال تؤمن بعدم شرعية "إسرائيل".
وكثير من هذه الأنظمة غير مستقرة، وإذا ما عصفت بها رياح التغيير، فليس هناك أي ضمان لأية تسوية، كما أن عملية التطبيع شهدت فشلاً كبيرًا في كلٍّ من مصر والأردن.
أما الاحتمال الثاني فهو مرتبط ببقاء هذا الكيان قويًّا، وبقاء ما حوله من الأنظمة والشعوب ضعيفًا مفككًا متخلفًا. وهي المعادلة التي لا تزال "إسرائيل" قائمة عليها منذ إنشائها.
ولم يكن السفير الإسرائيلي في إسبانيا رفائيل سوتش بعيدًا عن الحقيقة عندما صرَّح في 11/5/2008 بأنه لولا القوة العسكرية الإسرائيلية لما تمكنت "إسرائيل" من البقاء حتى لخمس دقائق!! وهو ما يفسر المقولة المتداولة بأن "إسرائيل" يجب أن تنتصر في كل حروبها، وأنها لا تحتمل هزيمة حقيقية واحدة.
تملك إسرائيل أكثر من 200 رأس نووي، ولديها جيش متطور يمكن أن يهزم جيوش الدول العربية مجتمعة، بناء على تحالفها الإستراتيجي مع أميركا، ويبلغ نصيب الفرد الإسرائيلي الواحد من النفقات العسكرية نحو 2000 دولار سنويا، مقابل 42 دولارا للفرد المصري مثلاً.
ولكن لا تستطيع "إسرائيل" أن تجيب عن سؤال بسيط هو إلى متى تستطيع أن تضمن بقاءها قوية، وأن تظل البلدان العربية والمسلمة ضعيفة؟ خصوصًا إذا ما ظل العرب والمسلمون يعتبرون معركتهم مع "إسرائيل" معركة أجيال، وأنها معركة وجود وليست معركة حدود.
ويدعم ذلك إيمانهم بالقدرة الهائلة للمنطقة على امتصاص الهجمات الاستعمارية عبر التاريخ، وعلى الانتصار عليها في نهاية الأمر. ولسنا بحاجة لتذكير القارئ بنماذج الفراعنة والفرس واليونان والرومان والصليبيين والتتار وغيرهم.
فشل المشروع الصهيوني في إثبات مقولة "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض"، فالشعب الفلسطيني الذي أراد المشروع الصهيوني إلغاءه لم يثبت وجوده فقط، وإنما أثبت حيوية غير عادية، وقدرة هائلة على التحمل وابتداع وسائل جديدة للصمود والمقاومة.
وأخذ يعيد المشروع الصهيوني إلى المربع الأول من الصراع في كل مرة ينتفض فيها ويُطلق مقاومته. وأثبت أن الفلسطينيين ليسوا مجموعة من "الهنود الحمر" أو "الأبروجينيز" ممن يمكن التخلص منهم.
ولم تصدق تمنيات الإسرائيليين طوال الستين عامًا الماضية في أن ينسى اللاجئون الفلسطينيون قضيتهم. وفي السنوات العشر الأخيرة انبعثت حركة واسعة بين اللاجئين الفلسطينيين أكثر وعيًا وأكثر تنظيمًا وأكثر إصرارًا على حق العودة، بل أصبحت تنتشر بين فلسطينيي أوروبا وأميركا وأستراليا، فضلاً عن البلاد العربية.
وهؤلاء يمثلون أزمة جوهرية لـ"إسرائيل" لأن عودتهم تمثل إنهاءً للمشروع الصهيوني، ولأن عدم عودتهم يعني استمرار الصراع.

وتظهر جوانب أخرى من أزمة المشروع الصهيوني متمثلة في الصعود السياسي والعسكري (فلسطينيا وعربيا وإسلاميا) للقوى الإسلامية التي ترفض التسوية السلمية، كما ترفض الاعتراف بـ"إسرائيل"، وترى في فلسطين أرض وقف إسلامي، وتتبنى خيارات الجهاد والمقاومة، وتوسيع دائرة الصراع مع "إسرائيل" بحيث يشارك فيه جميع العرب والمسلمين.
ولذلك لم يكن مستغربًا أن يرى مؤتمر هرتزليا (وهو أهم مؤتمر إسرائيلي سنوي معني بصناعة القرار، ويشارك فيه كبار رجال السياسة والأمن والخبراء) أن صعود حماس السياسي والشعبي يمثل خطرًا إستراتيجيًّا على "إسرائيل".
كما رأى المؤتمر في صعود القوى الإسلامية في المنطقة خطرًا إستراتيجيًّا حقيقيًّا. ويزيد من مخاوف صناع القرار الإسرائيليين أن هذا الصعود ترافقه حالة من عدم الاستقرار في الأنظمة المحيطة بـ"إسرائيل"، وأن كافة التغيّرات سواء كانت بالانتخابات الديمقراطية، أم بسقوط هذه الأنظمة والدخول في الفوضى، ستخدم في النهاية هذه القوى، وبالتالي ستخدم خط المقاومة ضد المشروع الصهيوني.
وتمثل المقاومة الفلسطينية المسلحة وتطورها واحتمالات اتساعها عربيًّا وإسلاميًّا، أحد الجوانب التي تؤرق المشروع الصهيوني. ففي العشرين سنة الماضية انتقل مركز المقاومة من الخارج إلى الداخل.
وتطورت وسائل المقاومة من رمي الحجارة إلى السكاكين إلى الرشاشات إلى العمليات الاستشهادية إلى الصواريخ. وتطورت الصواريخ في مداها، وفي حجم مادتها التفجيرية، وفي دقتها في إصابة الهدف.
وعلى سبيل المثال وحسب اعتراف الإسرائيليين فإن عدد قتلاهم خلال خمس سنوات من الانتفاضة المباركة (حتى نهاية 1992) قد بلغ 134 شخصًا. أما من قتل منهم خلال خمس سنوات من انتفاضة الأقصى (حتى نهاية 2005) فقد بلغ 1080 إسرائيليا منهم 451 قتيلاً في سنة 2002 وحدها.
ويقوم استقرار المشروع الصهيوني على عمودي الأمن والاقتصاد، وتُمثل المقاومة المسلحة أحد أكثر الوسائل فعالية في هزِّ أو ضرب هذين العمودين.
ولا شكّ أن تزايد الإمكانات القتالية لحماس والجهاد الإسلامي وغيرها، تجعل منها حالة تؤرق المشروع الصهيوني، خصوصًا أن هناك تطورًا كبيرًا في نوعية المقاتلين الراغبين في التضحية والاستشهاد.
ويعيش الآن نحو 700 ألف إسرائيلي خارج "إسرائيل"، وقد أبدى ما بين 25 و30% من الإسرائيليين رغبتهم في الهجرة وترك "إسرائيل" عندما اشتدت فعاليات الانتفاضة والمقاومة. وهي نسبٌ تتزايد مع فقدان الشعور بالأمان وتراجع الاقتصاد وانخفاض الدخل.

ويشكل النمو السكاني الفلسطيني أحد جوانب الأزمة التي تواجه المشروع الصهيوني. ففي سنة 2010 سيزيد عدد الفلسطينيين على عدد اليهود في فلسطين التاريخية (فلسطين المحتلة سنة 1948، والضفة الغربية وقطاع غزة).
وهو ما قد يدفع الفلسطينيين إلى استخدام تكتيكات جديدة مبنية على إسقاط خيار التسوية السلمية القائمة على فكرة الدولتين، وتبني خيار الدولة الواحدة الثنائية القومية، والنضال على طريقة النموذج الجنوب أفريقي.
وبغضِّ النظر عن إمكانية نجاح مثل هذا التوجه، فإنه سيشكل ضربة لمشروع التسوية الحالي، كما سيربك الخيارات الإسرائيلية والأميركية، لأنه مقبول دوليًّا من الناحية الإنسانية والقانونية والمنطقية، في الوقت الذي يعني تطبيقه إنهاء المشروع الصهيوني بإنهاء الصبغة اليهودية لـ"إسرائيل".
وليس سرًّاً أن جوهر فكرة مشروع الانسحاب الأحادي الجانب الذي تبناه شارون وحزب كاديما، يقوم أساسًا على الهروب من هذا الاحتمال، من خلال التخلص من أكبر قدر من السكان الفلسطينيين مع الحصول على أكبر قدر من الأرض.

أما نضوب مخزون الهجرة اليهودية إلى فلسطين فيمثل أحد الأزمات التي تواجه المشروع الصهيوني القائم أصلاً على فكرة الهجرة والاستيطان.
ويمثل اليهود في فلسطين نحو 40% من يهود العالم (5.4 ملايين من أصل 13.5 مليون تقريبًا)، ومعظم أولئك اليهود الذين كانوا يواجهون ما يعرف بالمشكلة اليهودية في بلدانهم، أو ممن يعانون من الفقر والأزمات الاقتصادية، قد هاجروا فعلاً من تلك البلدان.
ويتركز معظم يهود العالم (خارج فلسطين المحتلة) حاليًّا في الولايات المتحدة (نحو 5.5 ملايين) وفي أوروبا الغربية، وهو ما يجعل هجرتهم أمرًا مستبعدًا. وفي السنوات الأخيرة أخذ عدد المهاجرين اليهود من "إسرائيل" يقترب من عدد اليهود القادمين إليها، بل تجاوزه في سنة 2007.
الفساد والترهل في المجتمع الإسرائيلي يزيد من أزمة المشروع الصهيوني. ولا يخلو الوسط السياسي من فضائح مالية وأخلاقية كما هو الحال مع أولمرت وموشيه كاتساف وشارون ونتنياهو وغيرهم.
كما يعاني المجتمع الإسرائيلي من غياب الطراز الأول من القادة، ومن غياب جيل التأسيس. ويعاني من ظهور أجيال جديدة من الشباب تريد الاستمتاع بحياتها، وتفتقد إلى الروح "الرسالية" والأيديولوجية التي تمتع بها الجيل الأول، وهو ما انعكس سلبًا على الجيش الإسرائيلي والأجهزة الأمنية، التي تواجه مشاكل في الحصول على عناصر "نوعية" تستطيع تحمل المسؤولية.
كما ظهرت مظاهر سلبية في الجيش الإسرائيلي من حيث حالات الهروب من الجيش، ومستوى الجاهزية القتالية لعناصره، وتوفّر إرادة القتال. وفضلاً عن ذلك فقد أصاب المجتمع الإسرائيلي ما أصاب المجتمع الغربي من ثقافة الجنس والمتعة وانتشار اللواط، وتعاطي المخدرات، والجريمة المنظمة، والتفكك الأسري، وغير ذلك.
والخلاصة أن المشروع الصهيوني يعاني من عدد من التحديات والأزمات، التي توفر لمن يقف في مواجهته مجموعة من الفرص يمكن أن تؤثر في معادلة الصراع، إن جرى توظيفها بشكل منهجي ومدروس.
غير أن مجموعة الأزمات وحالات الضعف والتفكك والتخلف والصراع الداخلي الذي تشهده الساحات الفلسطينية والعربية والإسلامية، تجعل من ذلك أمرًا في غاية الصعوبة.
وتدفع باتجاه أن يعيد الفلسطينيون ترتيب بيتهم الداخلي وأولويات مشروعهم الوطني، قبل "الاستمتاع" بالحديث عن أزمات المشروع الصهيوني.
إن مشروع تحرير فلسطين مرتبط بمشروع نهضوي للأمة يعيد لها الثقة بنفسها، ويستنهض فيها عوامل القوة والعزة والكرامة، ويجيد الاستفادة من إمكاناتها البشرية والمادية الهائلة.
إن المراهنة على عامل الزمن قد تكون أمرًا مغريًّا للجانب الإسرائيلي على المدى القريب، بسبب الخلل الهائل في موازين القوى، ولكنها مراهنة تحمل مخاطر كبيرة على المدى البعيد. وهو ما حمل عددًا من الباحثين الإسرائيليين على الحديث عن انعدام آفاق استمرار الكيان الصهيوني.
مقالة لكاتب فلسطيني

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إتحفني برأيك