الأحد، 1 فبراير 2009

المؤامرة الفكرية

إذا أردنا أن نتحدث عن دور عموم المسلمين في حل قضية فلسطين حلا على سنة الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، فلابد من دراسة المؤامرة الكبيرة المرتبة والخطيرة التي تدبر للإسلام وأهله وتدبر بالتبعية لفلسطين , وهي مؤامرة ذات جذور قديمة وطرق عديدة وهي ذات المؤامرة التي حيكت للمسلمين على مر العصور منذ بعثة الرسول عليه الصلاة والسلام إلى يومنا هذا ، وحتى قيام الساعة وعلى المسلمين أن ينتبهوا .
  
وقبل أن أشير إلى هذه المؤامرة أود فقط أن أشير إلى أنه ليس كل ما يصيب المسلمين لابد أن يكون ناتج كليا عن مؤامرة ، فكثيرا ما يصاب المسلمون نتيجة تقصيرهم وإهمالهم لواجباتهم ، فهناك أشياء تكون مدبرة لكن لضعف المسلمين تفلح هذه التدبيرات في إتيان مفعولها ، فمثلا رجلا تضيع عليه صلاة الفجر كل يوم ، أي نعم هناك جزء من المؤامرة أن يسهر حتى الساعة الثانية أو الثالثة ثم ينام قرب الفجر فيضيع عليه الفجر ، ولكن هو ولا شك مخطيء وعليه جانب كبير من التقصير ، وليست المؤامرة وحدها بل إنني أعتقد أنه من الصعب جدا أن تفلح مؤامرة في دحر المسلمين أو هزيمة المسلمين إلا إذا كان المسلمون ضعفاء ، فإنه لا يُنصر الكافرون على المسلمين إلا بضعف المسلمين ، وسيأتي تفصيل لذلك في نهاية المقالات ، ولكن هذا لا يمنع من دراسة المؤامرة التي دبرها أعداء المسلمين بعناية ، ولابد للمسلمين أن يحذروا فهذه المؤامرة متنوعة ومتعددة وهي مؤامرة في كل المجالات وهي مع ذلك متزامنة .
 
وعلى سبيل المثال هناك مؤامرة سياسية عن طريق المفاوضات والسفارات والأحلاف , وهناك مؤامرة عسكرية عن طريق الجيوش والعتاد الحربي , ومؤامرة إقتصادية عن طريق الحصار الاقتصادي ، وفرض القيود الاقتصادية ، وتحديد سلع معينة للانتاج ، وتبوير الأراضي , ومؤامرة تفريقية يفرقون فيها بين أقطار المسلمين عن طريق المؤامرات بين الشعوب ، فلا تجد بلد إلا وتختلف مع جارتها على الحدود والأفكار ، ومؤامرة أخلاقية عن طريق هدم أخلاق المسلمين بالإعلام الفاسد , ومؤامرة فكرية عن طريق تغيير أفكار المسلمين وتبديل المعايير الصحيحة وقلب الموازين العادلة ، فكل هذه المؤامرات مجتمعة تجرى في وقت واحد متزامن وكل هذه المؤامرات خطيرة وقاتلة , ولكن ترى ما هي أخطر مؤامرة في هذه المؤامرات جميعا , وقد يسألني سائل ولما تحديد مدى خطورة كل مؤامرة إذا كنا سندفعها جميعا ؟ .
 
فأقول انظر إذا هُمشت مؤامرة من المؤامرات وقللت من قيمتها ، ضاعت الأولويات عند المسلمين ، فيُصرف من الأوقات الكثيرة في رد كيد المؤامرات الضعيفة ، ويتركون ما هو أشد ، ولذلك يجب أن يبحث المسلمون عن أخطر المؤامرات ، ويوجهوا إليهم طاقتهم مع عدم إغفال الرد على المؤامرات الأخرى , ولنراجع أنفسنا ما هي أخطر وأشد المؤامرات على المسلمين ؟ .
 
أتراها المؤامرة السياسية ؟ أم العسكرية ؟ أم الاقتصادية ؟ أم التفريقية ؟ أم الأخلاقية ؟ أم الفكرية ؟ .
 
كثير من الناس قد تختار المؤامرة العسكرية ، لأنها تبيد أعدادا كبيرة من البشر في وقت قليل , وبعض الناس قد يختاروا المؤامرة السياسية وضياع الحقوق وإقناع الشعوب بأنها أخذت حقها والواقع أنه قد ضاع منها كل شيء ، وقد يختاروا المؤامرة الاقتصادية التي تجوع الأمم وتقتل الأفراد ، ولكن مع خطورة هذه المؤامرات جميعا ، فإن أخطرها على الإطلاق هي المؤامرة الفكرية متبوعة بالمؤامرة الأخلاقية ، وأعلم بأن الجميع يعلم خطورة المؤامرة الأخلاقية على الأمة الإسلامية ، إلا أن المؤامرة الفكرية أشد وأنكى في المسلمين , فيا تُرى ما الفرق بين المؤامرة الفكرية والمؤامرة الاخلاقية ؟ ولماذا المؤامرة الفكرية أخطر من المؤامرة الأخلاقية برغم بشاعة وخطورة الأخيرة ؟ .
 
سأعطيكم أمثلة ، فمثلا السيدة التي تخرج بلا حجاب وعلتها وحجتها في ذلك أنها تري نفسها أجمل بدون حجاب أو تسعى للزواج أو لا تجد القدرة على التغيير أو مكسوفة من صديقاتها ، فهذه المرأة تعاني من مشكلة أخلاقية فهي تعلم أين الحق ولكن تتّبع غيره لضعف في نفسها , بينما السيدة التي تخرج بلا حجاب لأنها ترى أن الحجاب موضة قديمة كما يقولون ولبسه رجعية وتخلف وجمود فهذه المرأة تعاني من مشكلة فكرية , إذاً ، فأي المشكلتين أخطر ؟ .
 
والرجل الذي يأخذ رشوة ويدعي بأن أحواله صعبة ولولا الضائقة المالية ما كان ليرتشي وهو يسأل الله أن يغفر له ، فهذا الرجل يعاني من مشكلة أخلاقية ، بينما الرجل الذي يقول ( لا هذه ليست رشوة ، إنما هي إكرامية ، وهذا حق مكتسب نتيجة لمجهود معين قمت بعمله ) ، ويبدأ بتقنين الرشوة فهذه مشكلة فكرية .
 
حتى في أمور العبادات فالرجل الذي لا يصوم لأنه يقول ( والله أنا أجوع بسرعة أو لا أستطيع التركيز وأنا صائم ) أو ( لا أقدر على ترك التدخين ) ، فهذا عنده مشكلة أخلاقية خطيرة ، لكن الرجل الذي يقول ( إن الصيام هذا يقلل الانتاج ، ومن الممكن أن يؤخرنا إلى الوراء ) ، وهذا الكلام قد قيل فعلا من زعيم ما لأمة عربية ، وقد توفاه الله ، وكان يقول إن الصيام يضعف من الانتاج ويقلل من الطاقة ، ولذلك ينصح شعبه ألا يصوم أو كان يقول ( إن الصيام لأجل الشعوب الفقيرة وأنا أشعر بها فلماذا الصيام ؟ ) ، فهذا الرجل وأمثاله يعانون من مشكلة فكرية خطيرة جدا ، حتى إن الفقهاء يقولون أنه من ترك الصيام وهو يقدر عليه تكاسلا فهو فاسق أما من تركه إنكارا له فهو كافر .
 
أيضا في قضية فلسطين من الممكن أن يقول أحد الناس ( أعرف كل ما يحصل في فلسطين وأتمنى أن أساعد ، ولكن أنا عندي كذا وكذا من الأمور ولن أساعدهم وربنا غفور رحيم ) ، فهذا الرجل يشعر أن هناك دور ولكنه لا يريد أن يقوم بهذا الدور ، وهذه مشكلة أخلاقية لأنه رجل ليس عنده نخوة أو شهامة أو حمية لهذا الدين ، ولكن هناك رجل آخر يأتي ويقول ( وما شأننا بفلسطين فنحن بلد وفلسطين بلد آخر ) ، فهذا الرجل يعاني من مشكلة فكرية ، ولذلك فالمؤامرة الفكرية أعمق و أخطر من المؤامرة الأخلاقية وكلاهما خطير .
 
والمؤامرة الفكرية قد تقلب الباطل حقا وتقلب الحق باطلا , وقد يقاتل المرء حتى الموت من أجل قضية خاطئة فلو عبث العابثون بفكرك لضاعت حياتك وراء أهداف باطلة لا تساوي في ميزان الله ولا ميزان الإسلام شيئا ، وانظر إلى قوله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم { قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا ( 103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (104) } سورة الكهف ، فسبحان الله ! .
 
فواحد من الناس ينشر الفساد والإباحية والفسق والمجون ويشجع أفلام العري ويسمح بظهور النساء شبه عرايا ، ثم يظن إنه يقاتل من أجل تنوير الشعوب ومن أجل تحرير الفكر ومن أجل توسيع المدارك ، بل وقد يضحي من أجل ذلك بوقته وصحته ومجهوده وماله ( الأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ) ، فالمشكلة الفكرية خطيرة جدا وانظر إلى قوله سبحانه وتعالى { أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآَهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (8) } ، وانظر إلى أبي جهل أو الوليد بن المغيرة أو أمية بن خلف ، وانظر إلى صناديد الكفر بمكة كيف زُين لهم حرب الإسلام حتى ظنوه أمرا حسنا ، ثم انظر العاقبة بعد ذلك وقد قتلوا جميعا في بدر ، بل انظر إلى أبي طالب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يموت على فراشه بعد نصرة كبيرة للدعوة ، ولكنه ظل على دين الأجداد من عبادة الأصنام ورسول الله صلى الله عليه وسلم يرجوه أن يسلم حتى يشفع له عند ربه فيقول أبو طالب: ( على دين عبد المطلب ) وهذه مشكلة فكرية خطيرة جدا خسر فيها آخرته وخلد في جهنم .
 
حتى في داخل أرض فلسطين من الممكن أن تصيب المشكلة الفكرية الأفراد الذين يقاتلون فسبحان الله ! ، وانظر إلى عظم المؤامرة الفكرية كيف تصل بالناس إلى الهلكة ، فإياك وأن تكون يا من أمسكت بالبندقية تمسكها فقط حمية لأخيك الذي مات أو تمسكها فقط لأنك شجاع ولا تخاف الموت ، أو تقف حتى لا يقال هذا قاعد وكل الشباب قائمين للقتال ، ومع أن معاني الحمية والشجاعة والحياء من الآخرين معاني جميلة إلا أن الإسلام يسمو فوق هذه المعاني الفردية ويرتفع بك أعلى من ذلك , وانظر إلى حديث رسول الله صلى الله عليه و سلم الذي رواه مسلم عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ : سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الرَّجُلِ يُقَاتِلُ شَجَاعَةً وَيُقَاتِلُ حَمِيَّةً وَيُقَاتِلُ رِيَاءً أَيُّ ذَلِكَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ] .
 
وبذلك أعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل الدوافع السابقة , فلابد أن تفهم قضية فلسطين فهما صحيحا دقيقا حتى تقاتل عن أصل صحيح , فلو تآمر أعداء الإسلام على المسلمين سياسيا وعسكريا وإقتصاديا ، ونفذوا مخططاتهم في هذا المجال ، لكن بقيت أفكار الشعوب صحيحة وسليمة ، فإن الأمل في الإصلاح سيكون كبيرا بإذن الله ، لكن لو تغيرت أفكار الشعوب فرأى الناس الحق باطلا ورأوا الباطل حقا ، فإنه لا يمكن أن يقوم حتى لو كان قويا عسكريا وسياسيا واقتصاديا .
 
كل المؤامرات خطيرة وهذا صحيح ، ولكن يجب أن نساعد الفلسطينيين وغيرهم من المسلمين من الناحية العسكرية والسياسية والاقتصادية ، لكن الحذر كل الحذر أن يلتفت المسلمين إلى هذه المؤامرات ثم يتهاونون في تصحيح أفكارهم أو يقاتلون من أجل قضايا خاطئة أو يفرطون في أخلاقهم ، وتلك قضايا لو تهاون فيها المسلمون ما قامو أبدا إذا علمنا أن المؤامرات كثيرة وأخطرها هي المؤامرة الفكرية ثم الأخلاقية وكل المؤامرات خطيرة ، ولكن لنطرح هذا الأمر جانبا ونستعرض سؤالا ذكرناه من قبل ما هو دور الأمة كأفراد في قضية فلسطين ؟ .
 
هذا ما سنعرفه في المقالة القادمة بإذن الله .
 
هذه المقالة تكاد تكون منقولة بالنص من درس للدكتور راغب السرجاني



أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

هناك 6 تعليقات:

  1. سعيد جدا بتعرفى على مدونة حضرتك
    بجد منهج رائع فى الكتابة ربنا يكتر من أمثالك
    دمت بكل الود أخى

    ردحذف
  2. وأنا أسعدتني زيارتك يا أخي محمد ، وأهلا بك دائما .

    ردحذف
  3. السلام عليكم
    جزاك الله خير أخى الفاضل أحمد على هذا الموضوع الهام وأضم صوتى الى صوتك بأن المؤامره الفكريه والأخلاقيه أخطر وأشد المؤامرات على المسلمين والمؤامره الفكريه أشد خطرا من الأخلاقيه لكى توجد الأخلاق يشترط بالضروره وجود الفكر والوعى السليم
    كل الشكر لك أخى ودمت دائما بكل خير

    ردحذف
  4. وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته .

    شرفتني بالزيارة أخي إسلام والحمد لله أنك بخير .

    وجزانا الله وإياك ، ولا تنسانا من صالح دعائك ، وأنا في انتظار تشريفك لي مرات ومرات ، والسلام حتام .

    ردحذف
  5. السلام عليكم


    الحمد لله رب العالمين أنك بخير أخي الكريم ودائما تشرفني بزيارتك وتعليقك

    موضوع رائع كعادتك في انتقاء المفيد وعرضه علينا جزاك الله كل خير ونفع بك دائما
    أنا لي فقط ملحوظة أنه لا يمكن فصل المؤامرة الأخلاقية عن الفكرية فهما وجهان لعملة واحدة ومن السهل جدا غزو الفكر من خلال ضياع الأخلاق فتأثير الأفكار البعيدة عن الايمان يأت من خلال هذه الأرضية الممهدة

    أما عن سؤالك عن أهمية العروبة
    فمن رأيى أن تقسيم التعامل الانساني على حسب اللغة أمر بعيد عن الاسلام فالاسلام جاء لكل بشر فهل لو مسلم روسي أو أمريكي أو ماليزي أو من جنوب أفريقيا يكون بعيدا عن انما المؤمنون أخوة بالطبع لا فهذه القوميات والقبليات أراها من فعل الاستعمار ومن سوء فهمنا لعالمية الاسلام وشمول الأخوة في الدين
    ولكن لماذا هذا السؤال بالتحديد ؟

    أما خصوص شيخ الأزهر
    فاسمح لي أن أدعوك لمشاهدة مقاطع الفيديو الموضوعة على مدونتي لكي تعرف من أين جاء رأيي فيه

    فلم يعد رمزا لنا بل اني أتبرا من أكون يرمز لديني من خلال وظيفة يحرك فيها بالريموت من قبل حكومة فاسدة متواطئة ,,أما مكانته كدارس وكعالم للدين فلا أحد ينكرها عليه ولكنه لم يعمل بما تعلمه مع الأسف الشديد

    ردحذف
  6. وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته .
    أختي " مجداوية " أهلا بك .

    أتفق معك أنه من السهل إفساد الأفكار من خلال فساد الأخلاق ، ولكن من الممكن أن يتصف إنسان ما بأنه على خلق ، ولكن أفكاره ومعتقداته فاسدة ، ويمكن أن نرى إنسان أخلاقه فاسدة ولكنه يعترف بأنه عاص ويريد أن يتوب، فلعل الأمر لا يعتبر قاعدة .

    سألتك السؤال لأني أظن أنه لا فائدة نرجوها من أن نتحدث عنها ، فهي لا تثير في القلوب شيئا ، ولا تنفعنا في الآخرة بشيء ، وتفرق بين المسلمين ، ولقد تعجبت من قولك " وما هذا الدور الخائن للدين وللعروبة " ، فقلت لك وما أهميتها وما دورها ؟ .

    بالنسبة لشيخ الأزهر ، فإني أتمنى أن يُنتخب شيخ للأزهر ويكون كما ينبغي لشيخ الأزهر أن يكون ، والله المستعان .

    ردحذف

إتحفني برأيك